على الرغم من المسافة الطويلة بين الصين والمغرب، ترجع الصداقة بين الشعبين الصيني والمغربي إلى زمن بعيد. ففي القرن الرابع عشر، سافر الرحالة المغربي المشهور ابن بطوطة إلى الصين، وترك سجلات حية عن الصين، تلك البلاد الشرقية القديمة، في مؤلفه الخالد ((رحلة ابن بطوطة.. تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)) الذي أصبح أقدم دليل على التبادل بين الحضارتين الصينية والمغربية.
في العصر الحديث، كانت المملكة المغربية ثاني دولة عربية أفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، حيث أقيمت العلاقات الدبلوماسية رسميا بين الدولتين في الأول من نوفمبر عام 1958. ومنذ ذلك الحين، حافظت العلاقات الصينية- المغربية على التنمية السلمية والمستقرة، ويسودها التفاهم والدعم المتبادل في القضايا التي تتعلق بالمصالح الجوهرية والشواغل المهمة لكلا البلدين.
تعميق التآزر بين إستراتيجيات التنمية
خلال زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس للصين في عام 2016، وقع مع الرئيس الصيني شى جين بينغ على البيان المشترك بشأن إقامة الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، وشهد الزعيمان توقيع الوثائق حول التعاون الثنائي في مجالات القضاء والاقتصاد والتجارة ومعادن الطاقة والمال والثقافة والسياحة والأمن الغذائي وغيرها. إن هذه اللحظة التاريخية لم ترفع العلاقات الصينية- المغربية إلى مستوى جديد يتمثل في الشراكة الإستراتيجية فحسب، وإنما أيضا فتحت صفحة جديدة للتعاون الشامل بين البلدين على كافة المستويات. وباستعراض هذه السنوات العشر، حققت الدولتان ثمارا وافرة ملحوظة في الثقة السياسية المتبادلة والتعاون الاقتصادي والتجاري والتبادلات الإنسانية.
في نوفمبر عام 2017، وقع وزير خارجية الصين وانغ يي ونظيره المغربي ناصر بوريطة على ((مذكرة التفاهم بشأن دفع البناء المشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين))، لتصبح المملكة المغربية أول دولة من دول المغرب العربي توقع على هذه الوثيقة. وفي يناير عام 2022، أصبحت المملكة المغربية أول دولة في شمالي أفريقيا توقع على الخطة التعاونية للبناء المشترك لـ"الحزام والطريق" مع الصين، الأمر الذي رسم خريطة أوضح للتعاون العميق بين البلدين في مجالات المنشآت التحتية والاقتصاد والتجارة والاستثمار وغيرها. في سبتمبر عام 2025، عقد وزير خارجية الصين وانغ يي محادثات مع وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة في بكين، حيث وقع الجانبان على مذكرة تفاهم بشأن إقامة آلية حوار إستراتيجي بين وزارتي الخارجية في البلدين، مما رفع مستوى التبادل بين قيادتي الجانبين إلى مستوى أعلى، وعزز أسس مأسسة العلاقات الثنائية.
تعاظم التعاون الاقتصادي والتجاري كما ونوعا
في عام 2016، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والمغرب حوالي 63ر3 مليارات دولار أمريكي، وكانت الصين من بين أكبر خمسة شركاء تجاريين للمغرب. وفي السنوات العشر التالية، استمر هذا الرقم في الزيادة بشكل مطرد. وفقا لإحصاءات الهيئة العامة للجمارك الصينية، بلغ حجم التبادل التجاري 65ر6 مليارات دولار أمريكي في عام 2022، وارتفع إلى 43ر7 مليارات دولار أمريكي في عام 2023، وتجاوز تسعة مليارات دولار أمريكي في عام 2024، بزيادة بلغت نسبتها 6ر21% عن العام السابق. واليوم أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للمملكة المغربية في آسيا، وثالث أكبر شريك تجاري لها في العالم. وقد أثبتت هذه الزيادة الكبيرة بوضوح أن إقامة الشراكة الإستراتيجية الصينية- المغربية أضافت زخما مؤسسيا قويا إلى التبادل الاقتصادي والتجاري بين البلدين.
وتعد التغيرات في مجال الاستثمار هي الأبرز. ففي عام 2016 تقريبا، كان الحجم المتراكم للاستثمار المباشر الصيني في المغرب أقل من 400 مليون دولار أمريكي، وكان عدد المؤسسات الصينية في المغرب قليلا جدا. في نهاية عام 2024، ارتفع هذا الرقم إلى 749 مليون دولار أمريكي، وفي الفترة من عام 2023 إلى عام 2024 بلغت نسبة الزيادة 46%. وجدير بالذكر أن التعاون الصيني- المغربي في الاستثمار شهد تحولا هيكليا جذريا، حيث كانت مشروعات الاستثمار الصينية الرئيسية في المغرب في عام 2016، تتركز في مجالات تقليدية مثل تجميع الدراجات النارية وإنتاج المصابيح الموفرة للطاقة وصيد الأسماك وغيرها، مع عدد محدود من الشركات الصينية ومستوى تقني وقيمة إضافية منخفضين نسبيا. أما الآن، فأصبحت مجالات أجزاء السيارات والطاقة الجديدة والذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية وغيرها من المجالات العالية التكنولوجيا، نقاط النمو الجديدة للتعاون الثنائي. وبالاعتماد على الموارد الغنية من الفوسفات وميزة القرب الجغرافي من أوروبا واتفاقيات التجارة الحرة التي وقعت مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهما، تتطور المملكة المغربية لتصبح نقطة ارتكاز إستراتيجية مهمة لدخول الشركات الصينية إلى أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وأفريقيا.
تطور سريع في التبادلات الإنسانية
باعتبارها دولة مميزة عابرة للثقافتين العربية والبربرية، وتدمج بين الأسلوبين الأوروبي والأفريقي، تعرف المملكة المغربية بأنها "حديقة شمالي أفريقيا"، ويضيف الطابع الحضري للدار البيضاء والتاريخ العريق لمراكش وسحر اللون الأزرق لشفشاون والسماء المرصعة بالنجوم في الصحراء إلى تجربة الزوار الصينيين، الذين ينغمسون في المتعة حتى ينسون العودة. ومن أبرز الثمار التي أعقبت زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس للصين في عام 2016، سياسة الإعفاء من التأشيرة التي نفذتها المملكة المغربية تجاه المواطنين الصينيين الحاملين لجوازات السفر العادية، بدءا من الأول من يونيو عام 2016. وقبل ذلك، كان عدد الزوار الصينيين إلى المغرب حوالي عشرة آلاف شخص/ مرة فقط في عام 2015، ويرجع السبب إلى حواجز التأشيرة ونقص الخطوط الجوية. وبعد انتهاج سياسة الإعفاء من التأشيرة، ارتفع عدد الزوار الصينيين إلى المغرب سريعا، وبلغ حوالي عشرين ألف شخص/ مرة في عام 2016، وتجاوز 141 ألف شخص/ مرة في عام 2019، بزيادة أكثر من ستة أضعاف خلال أربع سنوات. في يناير عام 2020، فتح الخط الجوي المباشر بين الصين والمغرب لأول مرة في التاريخ، الأمر الذي اختصر وقت الرحلة الجوية بين البلدين من أكثر من عشرين ساعة إلى اثنتي عشرة ساعة فقط، مما سهل الزيارات المتبادلة بين الجانبين. في عام 2025، تجاوز عدد الزوار الصينيين إلى المغرب مائتي ألف شخص/ مرة.
في مجال الثقافة والتعليم، حققت التبادلات الصينية- المغربية تطورا ملحوظا. ففي وقت زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس للصين في عام 2016، كان معهد كونفوشيوس بجامعة محمد الخامس الذي تأسس في الرباط في عام 2009 هو المؤسسة الوحيدة لتعليم اللغة الصينية في المغرب. وبعد عشر سنوات، أصبح في المغرب ثلاثة معاهد كونفوشيوس، كما افتتح المركز الثقافي الصيني في الرباط ليصبح نافذة مهمة لعرض الثقافة الصينية وتعزيز التعلم المتبادل بين الحضارات أمام أبناء المغرب. لا تقتصر أنشطة معاهد كونفوشيوس على تعليم اللغة الصينية فحسب، بل تشمل أيضا تدريب المرشدين باللغة الصينية. حيث فتحت جامعة مراكش دورات تدريبية للمرشدين باللغة الصينية، ونظمت برامج سفر إلى الصين للطلاب الممتازين للمشاركة في المخيمات الصيفية باللغة الصينية. وأنشئ تخصص إدارة السياحة "2+2" بالتعاون بين جامعة الدراسات الدولية ببكين وجامعة محمد الخامس، بهدف تأهيل أكفاء سياحة دوليين رفيعي المستوى ومتعددي المهارات. من معهد كونفوشيوس واحد إلى شبكة واسعة من التعاون في التعليم والثقافة، تحسنت المنشآت التحتية للتبادلات الإنسانية بين الصين والمغرب يوميا خلال السنوات العشر، مما أرسى أساسا شعبيا ثابتا للتطور الطويل المدى للعلاقات بين البلدين.
مستقبل واعد
يصادف عام 2026 إطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية للصين، التي أكدت بوضوح على "توسيع نطاق الانفتاح العالي المستوى على الخارج وخلق وضع جديد للتعاون والفوز المشترك"، كما خصصت الخطة بندا خاصا لـ"البناء المشترك العالي الجودة لـ’الحزام والطريق‘"، للتأكيد على بناء منظومة الصناعات الحديثة والدفع المعمق لبناء الصين الرقمية، والالتزام باتجاه الذكاء والخضرة والاندماج. يتوافق التصميم العظيم الذي ترسمه الخطة الخمسية الخامسة عشرة مع اتجاه تعميق العلاقات الإستراتيجية الصينية- المغربية توافقا عاليا، مما سيفتح آفاقا أوسع للتعاون الثنائي بين البلدين.
ستصبح الطاقة الجديدة والتنمية الخضراء ركيزتين إستراتيجيتين للتعاون بين الصين والمغرب. وقد أكدت الخطة الخمسية الخامسة عشرة بوضوح على الالتزام باتجاه الذكاء والخضرة والاندماج وتسريع بناء دولة قوية من حيث التصنيع لإنشاء منظومة صناعات حديثة تتخذ قطاع التصنيع المتقدم ركيزة لها، وذلك يتوافق مع الإستراتيجية الوطنية للمغرب لتركيز القوة على دفع تنمية الطاقة المتجددة توافقا عاليا. وخلال السنوات العشر الأخيرة، دشنت المملكة المغربية دفعة كبيرة من منشآت توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية والطاقة الشمسية المركزة وطاقة الرياح والطاقة المائية، لتتصدر بذلك الدول الأفريقية من حيث القدرة المركبة في هذا المجال. وتتمتع الصين بمزايا رائدة عالميا في مجال التقنيات والسلسلة الصناعية للطاقة الجديدة، ما يفتح مجالات واسعة للغاية للتعاون بين الجانبين في مجال التصنيع الأخضر، حيث إن مصنع إنتاج مواد بطاريات الليثيوم ومجمع صناعة الألمنيوم المنخفض الكربون وغيرهما من المشروعات التي استثمرت الشركات الصينية فيها في المغرب تعزز مكانة المملكة المغربية كنقطة محورية في السلسلة الصناعية للطاقة الجديدة في منطقتي أوروبا وأفريقيا، كما تعد هذه المشروعات تطبيقا حيا لـ"توزيع سلسلتي الصناعة والتوريد عبر الحدود بصورة معقولة ومنظمة" المذكور في الخطة الخمسية الخامسة عشرة.
ويعد الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي مجالين رائدين جديدين للتعاون الصيني- المغربي. فقد طرحت الخطة الخمسية الخامسة عشرة في البند الخاص المتمثل في "الدفع المعمق لبناء الصين الرقمية ورفع مستوى التنمية الرقمية والذكية" بوضوح ضرورة تمتين العرض العالي الفعالية للقدرات الحاسوبية والخوارزميات والبيانات ودفع تمكين تنمية الاقتصاد الحقيقي بالتقنيات الرقمية الذكية بكامل أبعادها. بينما تعمل المملكة المغربية حاليا على التحول الرقمي وتسارع في الارتقاء إلى مركز لخدمات التعهيد العابرة للحدود ذات القيمة المضافة العالية. أما الصين، فتتمتع بمزايا بارزة في الذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية والمنشآت التحتية الرقمية وغيرها من المجالات، فيتكامل اتجاه التنمية للدمج العميق بين الابتكار العلمي والتكنولوجي والابتكار الصناعي للصين في فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة مع مسعى التحول الرقمي للمغرب.
بالإضافة إلى ذلك، سيجلب كأس العالم لعام 2030 فرصا مهمة وجديدة للتعاون الصيني- المغربي. باعتبارها دولة شريكة في استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2030، تقوم المملكة المغربية ببناء الملاعب والقاعات الرياضية وترقية مستوى المنشآت التحتية على نطاق واسع، بما في ذلك التوسع في إنشاء محطات القطارات الفائقة السرعة والمطارات والفنادق وغيرها من المرافق وإكمالها. ومن جانبها، تمتلك الصين خبرات واسعة في بناء المنشآت التحتية الضخمة والمدن الذكية، مما يتيح تعميق التعاون مع المغرب في هذه المجالات. وفي الوقت نفسه، ستتيح الأعداد الضخمة من الزوار التي تجلبها بطولة كأس العالم فرصا غير مسبوقة في التعاون الثقافي والسياحي بين الصين والمغرب.
ونحن على ثقة بأن الشراكة الإستراتيجية الصينية- المغربية ستواصل التعمق بالقيادة الإستراتيجية لزعيمي البلدين وبجهود الشعبين الصيني والمغربي، وسيواصل شعبا البلدين التقدم في كتابة صفحة جديدة للتعاون الودي في العصر الجديد.
--
دينغ تشن شي، أستاذ مشارك في مركز الدراسات الصيني- العربي للتعاون الثقافي والسياحي التابع لجامعة الدراسات الدولية ببكين.
