
لم تكن الصين في البداية ضمن الخيارات التي وضعتها لحياة تمتد لسنوات، لكن خطوة دراسية واحدة كانت كفيلة بأن تغير مسار حياتي بالكامل. ما بدأ كفرصة أكاديمية عابرة، سرعان ما تجاوز كونه محطة للدراسة، ليتحول تدريجيا إلى مساحة للعيش والانتماء.
أثناء دراستي بقسم اللغة الصينية في جامعة القاهرة، حصلت على أول منحة دراسية لمدة عام في جامعة بكين للمعلمين، لأجد نفسي فجأة أمام تجربة جديدة تماما، لم أكن قد خططت لها، ولم أتخيل حينها أنها ستكون بداية علاقة طويلة مع مدينة ستصبح لاحقا جزءا أساسيا من حياتي.
لم يكن خوفي وحدي هو ما صاحب قرار السفر إلى الصين، بل خوف أسرة بأكملها. أهلي الذين اعتادوا القلق عليّ، تلقوا خبر ذهابي للدراسة في الصين في المرة الأولى بشيء من الرفض والتردد، وبأسئلة مشبعة بالخوف من البعد والمجهول. كانت الصين آنذاك بلدا بعيدا في خيالهم، غامضا، مكانا بعيدا يثير القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة لديهم.
لكن التجربة الأولى كانت كفيلة بأن تقلب هذه الصورة رأسا على عقب. لم تحتج إلى كثير من الشرح، فالأيام نفسها كانت كافية لتبدد القلق. شيئا فشيئا، تحول الخوف إلى ثقة، والاعتراض إلى اطمئنان. ومع الوقت، صارت الصين هي المكان الوحيد الذي لا يخاف عليّ فيه أهلي؛ البلد الذي يطمئنون لوجودي فيه أكثر من أي مكان آخر. كان هذا التحول الصامت في مشاعرهم أبلغ شهادة على أن الأمان الذي وجدته هنا لم يكن إحساسا شخصيا فقط، بل واقعا لمسه من يحبونني أيضا.
وصلت إلى بكين للمرة الأولى وأنا في التاسعة عشرة من عمري، محملة بأسئلة أكثر من الإجابات، وبمعرفة شبه معدومة عن البلد الذي سأقضي فيه عاما كاملا. كانت بكين أول مدينة تطأها قدماي في الصين؛ مدينة لا تشبه الصور النمطية عن الوجهات السياحية، ولا تسعى إلى إرضاء الغرباء. بدت ضخمة، سريعة الإيقاع، عملية إلى حد الجفاف أحيانا، وهو ما يجعل البعض يحتاج إلى وقت أطول للتعود عليها.
ولكن داخل أسوار الجامعة، بدت الحياة أكثر أمانا وتنظيما، أما خارجها، فكانت بكين درسا يوميا في الاستقلال والاعتماد على النفس. هناك، تعلمت كيف أتحرك وحدي، وكيف أتعامل مع الاختلاف، وكيف أتقبل فكرة أنني لن أفهم كل شيء فورا.
لم أدرك أنني بدأت أحب بكين إلا حين توقفت عن التفكير فيها كمدينة غريبة، وبدأت أتعامل معها كجزء من روتين يومي. المترو والشوارع الطويلة والمشي لساعات في أزقة المدينة، كلها تفاصيل صغيرة صنعت علاقة خاصة بيني وبين المكان؛ علاقة لا تقوم على الانبهار، بل على الألفة.
أكثر ما فاجأني في بكين لم يكن حجمها ولا سرعتها، بل الإحساس العميق بالأمان الذي تسلل إليّ من دون أن أشعر. لم يكن الأمان هنا فكرة مجردة، بل تجربة يومية متكررة: أن أتحرك وحدي دون خوف، وأن أعود إلى منزلي ليلا مطمئنة، وأن أشعر بأن المدينة لا تتدخل في وجودي ولا تحاكم اختلافاتي. كامرأة عربية تعيش بمفردها في مدينة كبرى، كان لهذا الإحساس وزن خاص، جعلني أتنفس بهدوء وأركز على دراستي وحياتي من دون توتر دائم. وربما لهذا السبب اندمجت في حياة بكين سريعا، من دون مقاومة.
حين عدت إلى مصر بعد انتهاء عام المنحة الدراسية، كنت قد عدت بجسد واحد، لكن بذاكرة ممتلئة ببكين. استكملت دراستي وحصلت على ليسانس الآداب بقسم اللغة الصينية، وخلال تلك الفترة كنت أتحدث كثيرا مع أهلي وأصدقائي عن حبي للصين. وبما أن جزءا من عائلتي يعيش في باريس، وكنت أزورهم خلال الإجازات الصيفية، كان السؤال يتكرر دائما: هل ما زلت تحبين الصين؟ أم أن هناك بلادا أخرى أجمل للعيش؟
كنت أجيب دون تردد: الصين. بل وأضيف أنني لو أُتيحت لي فرصة العيش خارج مصر، لاخترت الصين. كان هذا الرد يثير دهشة الكثيرين؛ كيف استطاعت الصين أن تمنحك كل هذا الارتياح؟ وكيف جعلتك لا ترين بلدا أجمل منها للعيش؟ تلك الدهشة، في حد ذاتها، كانت بداية فضول لدى كثير من الأهل والأصدقاء لاكتشاف الصين بأنفسهم.
لم يكن ارتباطي بالصين تجربة عابرة، فبعد عام فقط عدت إليها من جديد، وهذه المرة كباحثة في مرحلة الماجستير، بعد حصولي في عام 2016 على منحة دراسية من الحكومة الصينية. خلال هذه المرحلة، اكتشفت شغفا حقيقيا لم أكن أدرك وجوده من قبل: التدريس. لم يعد الأمر بالنسبة لي مجرد نقل معرفة، بل محاولة دائمة للإجابة عن سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: كيف أجعل المحاضرة ممتعة؟ وكيف أقدم للطلاب معرفة تمتد إلى حياتهم اليومية وتعرفهم بالصين وثقافتها، وتزرع فيهم شغف الدراسة فيها؟
بعد التخرج، انتقلت من قاعة المحاضرات إلى عالم مختلف تماما: الترجمة الصحفية. ففي عام 2018، أُتيحت لي فرصة العمل لمدة عام في موقع قناة فينيكس الإخبارية الصينية، حيث كنت أترجم أخبار الشرق الأوسط إلى اللغة الصينية. كانت تجربة مهنية وإنسانية مهمة؛ زملاء تميزوا بتعامل راق وداعم، ومنحوني ثقة كبيرة في قدرتي على العمل في مجال الترجمة الإخبارية. ومع الوقت، بدأت لغتي تتحسن بشكل ملحوظ، وأصبحت أكثر قدرة على صياغة النصوص الصحفية بدقة من حيث اختيار المفردات وضبط الأسلوب.
فجأة، كما حدث مع العالم كله، توقف كل شيء مع تفشي جائحة كوفيد- 19 في عام 2020. اتخذت قرار العودة إلى مصر، وأنا أحمل حلما واضحا باستكمال دراسة الدكتوراه في الصين. ورغم استمرار قيود السفر الدولية خلال فترة الجائحة لنحو ثلاث سنوات، لم أتخل عن هذا الحلم. انتظرت، وأنا على يقين بأن هذه المرحلة ستمر.
لم يكن الانتظار فراغا، بل فرصة لاكتشاف نفسي من زاوية جديدة. خلال هذه الفترة، عملت في مجال التدريس بكلية الألسن في جامعة بني سويف المصرية، حيث مارست شغفي الحقيقي وعشت واحدة من أجمل مراحل حياتي المهنية. كانت كلمات الطلاب وتشجيعهم مصدر سعادة حقيقي لي. كنت أحرص على التحضير اليومي والبحث المستمر، وربط اللغة الصينية بواقع الطلاب وحياتهم اليومية.
وما زلت أؤمن أنني قبل كل شيء باحثة؛ فالمتعة الحقيقية تكمن في الاستيقاظ كل يوم وأنا أعلم أن هناك جديدا يمكن تعلمه. كانت أسئلة الطلاب تفتح أمامي آفاقا جديدة، وتدفعني إلى تطوير أسلوبي باستمرار، ولهذا أشعر بالامتنان لهم؛ لأن التفاعل معهم لم يكن إضافة لهم فقط، بل إضافة حقيقية لي أيضا.
بعد ثلاث سنوات من الانتظار، جاء الخبر الذي كنت أترقبه بصبر. ففي عام 2022، حصلت على منحة لدراسة الدكتوراه في جامعة بكين للغات والثقافة، في وقت بدأت فيه الصين تدريجيا في استقبال عودة الطلاب الأجانب. كانت فرحتي بالعودة إلى بكين غامرة بحق؛ من لحظة استلام خطاب القبول، وحتى الوصول إلى أرض بلدي الثاني.
مع مرور السنوات، لم تعد بكين مجرد مدينة درست فيها، بل صارت مكانا أشعر فيه بالانتماء. قد أزور مدنا أخرى أكثر جمالا من حيث الشكل، لكنني هنا أشعر بدفء لم أختبره في أي مدينة أخرى. ربما زرت في بكين أماكن سياحية أكثر مما زرت في بلدي، لأن الاستقرار والإحساس بالأمان جعلا الاكتشاف ممكنا.
هناك فرق كبير بين السائح والساكن؛ فالسائح يرى المعالم، أما الساكن فيبني علاقة؛ علاقة تقوم على التكرار والألفة، وتتحوّل فيها الأماكن إلى ذكريات. زرت سور الصين العظيم والمدينة المحرمة مرات أكثر مما زرت الأهرامات، حتى صارا جزءا من ذاكرتي.
بعض الأماكن لا تزورها مرة واحدة فقط، بل تعود إليها لتفهم نفسك أكثر. في كل مرة أدخل فيها المدينة المحرمة، لا أشعر أنني أزور أثرا سياحيا بقدر ما أعبر إلى زمن آخر. الساحات الواسعة والصمت والنظام الدقيق في التفاصيل، كلها تمنح إحساسا بالهدوء، وكأن المكان يطلب منك أن تمشي ببطء وأن تصغي.
لم يكن سور الصين العظيم بالنسبة لي مجرد معلم تاريخي شهير، ولا مكانا أذهب إليه لالتقاط الصور. كانت زيارته أشبه بلحظة توقف وسط رحلة طويلة. عندما وقفت أمام امتداده اللامتناهي فوق الجبال، شعرت بثقل الزمن أكثر مما شعرت بعظمة البناء. هناك، يصبح الصمت حاضرا بقوة ويقل الكلام، كأن المكان يفرض عليك أن تكون أقل استعجالا وأكثر إنصاتا.
وأنا أسير على درجات السور الحجرية، لم يكن ذهني منشغلا بالتاريخ بقدر ما كان مشغولا بالطريق نفسه. الطريق الطويل المتعرج الذي لا يُرى آخره، جعلني أفكر في رحلتي الشخصية؛ في الدراسة والانتظار، وفي السنوات التي مضت من دون أن أشعر بثقلها إلا في تلك اللحظة. بدا لي السور كأنه يختصر فكرة الاستمرار: أن تمضي خطوة بعد خطوة، حتى وإن لم تكن النهاية واضحة.
لم أشعر هناك بانبهار سائح، بل بهدوء شخص وجد مساحة للتأمل. الرياح الباردة وقطع الأحجار غير المتساوية، والإجهاد الخفيف مع كل صعود، كلها تفاصيل جعلت التجربة جسدية وإنسانية في آن واحد. كان هناك إحساس خفي بالامتنان، لأنني لم أكن عابرة سبيل، بل إنسانة تعيش في هذه البلاد، وتراكم معها الذكريات والتجارب.
في تلك اللحظة، أدركت أن علاقتي بالصين تشبه هذا السور إلى حد بعيد؛ لم تبن في يوم واحد، ولم تأت من انبهار سريع، بل تشكلت مع الوقت، بالصبر وبالمرور اليومي، وبالقدرة على الاستمرار رغم التعب. وربما لهذا، كلما تذكرت سور الصين العظيم، لا أتذكر شكله فقط، بل أتذكر إحساسا داخليا بالثبات، وكأن المكان يذكرك أن الطرق الطويلة، مهما بدت مرهقة، تحمل في داخلها معنى يستحق أن يعاش.
سبع سنوات من الدراسة والعمل والحياة اليومية جعلتني أقول اليوم من دون تردد إن بكين هي بلدي الثاني. جملة نسمعها كثيرا ممن عاشوا هنا طويلا، لكن لكل منا أسبابه الخاصة. وبالنسبة لي، كامرأة، كان الأمان هو السبب الأهم.
بكين جعلتني أحب مصر أكثر. فالصينيون، حين يعلمون أنني مصرية، يذكرون مصر بإعجاب واحترام، وهو إحساس لم ألمسه بهذا العمق في أي بلد آخر. الدراسة في الصين لم تكن مجرد تحصيل أكاديمي، بل تجربة حياتية متكاملة.
حين ألتفت اليوم إلى هذه الرحلة، أدرك أن الصين لم تكن محطة عابرة في مساري، بل مساحة حقيقية للاكتشاف والنمو. بلد منحني الوقت لأتعلم، والهدوء لأفهم نفسي، والمسافة الكافية لأرى وطني بوضوح أكبر. أدين للصين بالكثير، لأنها لم تجعلني أشعر يوما بالغربة، ولأنها فتحت أمامي أبوابا لم أكن لأطرقها لولا هذه التجربة.
أعتبر نفسي محظوظة حقا، لأن الأقدار سخرت لي فرصا متتالية للدراسة والعمل في الصين، وبالتحديد في مدينتي الأقرب إلى قلبي: بكين. هناك، كان الإحساس بالأمان حاضرا في التفاصيل اليومية، وجعل من هذه المدينة مكانا أعود إليه دائما بقلب مطمئن، وكأنني أعود إلى مكان يحتويني من دون سؤال.
--
سمر أحمد حسام، باحثة مصرية حاصلة على درجة الدكتوراه في اللغة الصينية من جامعة الغات والثقافة في بكين.
