في الرابع والعشرين من سبتمبر عام 2026، أعلنت الهيئة الوطنية الصينية للتراث الثقافي، خلال اجتماع لمتابعة التقدم المحرز في المشروعات الأثرية الكبرى، نجاح بعثة أثرية صينية- مصرية مشتركة في اكتشاف بقايا بحيرتين مقدستين ضمن نطاق معبد مونتو بالأقصر في مصر. ويمثل هذا الاكتشاف أول مخطط يضم بحيرتين مقدستين داخل نطاق معبد مصري قديم واحد، ويوفر أدلة مهمة لدراسة الطقوس والوظائف التي كان يؤديها المعبد.
يقع معبد مونتو في شمالي مدينة الأقصر، وهو جزء مهم من مجمع معابد الكرنك، ويعود تاريخه إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام. كانت الأقصر تسمى قديما طيبة، وكانت عاصمة مصر القديمة في عصر الدولة الحديثة. وتشتهر مجموعة معابد الكرنك الواقعة هناك بشهرة عالمية، مما جعل الأقصر تلقب بـ"أكبر متحف مفتوح في الهواء الطلق" على وجه الأرض. الإله مونتو من أقدم الآلهة وأهمها في مصر القديمة، وهو إله الحرب في منطقة طيبة، ويظهر عادة برأس صقر وجسم بشري، ويعلو رأسه قرص الشمس. تعود أقدم النقوش المتعلقة به إلى عصر الأسرة السادسة من الدولة القديمة (حوالي 2345- 2181 قبل الميلاد).
وفقا للباحث جيا شياو بينغ، تبلغ المساحة الإجمالية لموقع مجمع معبد مونتو حوالي 106 آلاف متر مربع، وتعود المباني السطحية الموجودة حاليا بشكل أساسي إلى الفترة الممتدة من العصر المتأخر في مصر القديمة حتى العصر البطلمي (من القرن السابع قبل الميلاد حتى القرن الأول الميلادي). الموقع له سور مستقل من الطوب اللبن ويضم بوابة ومسلة وبحيرة مقدسة. المباني الرئيسية داخل السور هي معبد مونتو ومعبد ماعت ومعبد حاربيرع ومبنى مقام على منصة مرتفعة، كما يوجد خارج السور معبد تحوت وطريق أبو الهول. وتضم هذه المنطقة العديد من الآثار المعمارية القديمة التي تعود إلى عصور مختلفة وتتنوع وظائفها، ولا تزال فيها مساحات شاسعة لم يتم التنقيب فيها بصورة نظامية.
بدأ التعاون الرسمي بين الصين ومصر في مجال الآثار في عام 2018. في أكتوبر من ذلك العام، وقع معهد الآثار التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ووزارة السياحة والآثار المصرية اتفاقية للتعاون في مشروع التنقيب الأثري المشترك في معبد مونتو، وهي أول وثيقة تعاون رسمية بين الصين ومصر في مجال الآثار. وبعد شهر واحد، انطلق رسميا مشروع التنقيب الأثري المشترك بين الصين ومصر في معبد مونتو بالأقصر، وشكل معهد الآثار التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية والمجلس الأعلى للآثار التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية بعثة أثرية مشتركة. وهذه هي أول بعثة أثرية مشتركة بين الصين ومصر، وهي أيضا المرة الأولى التي يدخل فيها علم الآثار الصيني إلى المنطقة الأساسية لحضارة قديمة أخرى.
للحضارة المصرية القديمة مكانة راسخة في الأوساط الفكرية الصينية. في أواخر فترة أسرة تشينغ (1644- 1911م)، سافر دوان فانغ، حاكم مقاطعتي فوجيان وتشجيانغ، إلى مصر للاستكشاف، وأحضر معه عددا كبيرا من القطع الأثرية المصرية القديمة، مثل اللوحات الحجرية. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، سافر عالم الآثار شيا ناي إلى بريطانيا للدراسة، وأصبح أول عالم آثار صيني يحصل على الدكتوراه في علم الآثار المصرية. وفي خمسينيات القرن العشرين، دُعي الباحثان المصريان أحمد فخري من جامعة القاهرة ومصطفى عامر من جامعة الإسكندرية لإلقاء محاضرات في الصين. وتمت ترجمة وتحرير تقارير محاضراتهما لتصدر على التوالي في كتابي ((تاريخ مصر القديمة)) و((علم الآثار المصرية)) عن دار العلوم للنشر، وكان الكتابان من أوائل المؤلفات الصينية في علم المصريات آنذاك. واليوم، خطا علماء الآثار الصينيون أخيرا على ضفاف النيل، ينقبون جنبا إلى جنب مع نظرائهم المصريين.
في العمارة الدينية المصرية القديمة، كانت البحيرة المقدسة عنصرا أساسيا ومصدرا للمياه المستخدمة في الطقوس داخل المعبد. وعلى مدى أكثر من مائتي عام، ساد الاعتقاد في الأوساط الأثرية بأن منطقة المعبد الواحدة تضم بحيرة مقدسة واحدة فقط، ولم تكن معروفة في معبد مونتو سوى البحيرة المقدسة الشمالية. في الرابع والعشرين من يناير عام 2026، أعلنت البعثة الأثرية المشتركة بين الصين ومصر في الأقصر اكتشاف بقايا بحيرة مقدسة لم تكن معروفة من قبل في الجزء الجنوبي من المعبد؛ وفي الرابع والعشرين من سبتمبر من نفس العام، تم الإعلان رسميا عن هذا الاكتشاف خلال اجتماع بشأن التقدم المحرز في المشروع الرئيسي "علم الآثار في الصين" في بكين. ونظرا إلى وقوع البحيرة المكتشفة جنوب البحيرة المقدسة الشمالية، أطلق عليها اسم "البحيرة المقدسة الجنوبية".
"مع استمرار أعمال الحفر، ظهر مبنى مربع، وتأكد لنا أنه بحيرة مقدسة." هكذا وصف الباحث جيا شياو بينغ المشهد عند الاكتشاف. في البداية، أبدى حتى الباحثون المصريون المشاركون في البعثة دهشتهم. وقال جيا شياو بينغ: "قال الزملاء المصريون في البداية إن هذا غير محتمل، فوفقا للوثائق التاريخية والمعرفة الأثرية على مدى أكثر من مائتي عام، عادة ما توجد بحيرة مقدسة واحدة فقط داخل منطقة المعبد." وبحسب القياسات التي أجراها أعضاء البعثة الصينيون والمصريون، تبلغ مساحة البحيرة المقدسة الجنوبية حوالي خمسين مترا مربعا، ويبلغ عمقها الإجمالي حوالي خمسة أمتار، وشيدت جدرانها من كتل حجرية رملية كبيرة الحجم، ويوجد درج حجري يؤدي إلى قاع البحيرة، كان الكهنة القدماء يستخدمونه لجلب الماء. كما عثرت البعثة الأثرية بين أحجار البحيرة المقدسة على لوحات قرابين تخص كبار الموظفين في العصور القديمة، وتؤكد الآثار المحيطة ما ورد في الوثائق المصرية القديمة عن "حديقة الإله آمون".
هذه هي المرة الأولى في تاريخ علم الآثار المصري التي يتم فيها اكتشاف بحيرتين مقدستين في نفس منطقة المعبد، وهي أيضا واحدة من البحيرات المقدسة القليلة التي تم الكشف عنها بالتنقيب في تاريخ الآثار المصرية، بل إنها، حتى الآن، البحيرة المقدسة الوحيدة التي تم التنقيب فيها بشكل علمي منهجي شامل. يوفر التخطيط الفريد لوجود البحيرتين المقدستين الشمالية والجنوبية المتجاورتين نموذجا نفيسا لدراسة المساحات الطقسية والتقسيم الوظيفي في المعابد المصرية القديمة، فالبحيرة المقدسة ليست فقط منشأة لتزويد المعبد بالمياه، بل هي أيضا مسرح مهم لممارسة الأنشطة الدينية والطقسية، وجزء أساسي من "المساحة المقدسة" في المعبد.
إلى جانب اكتشاف البحيرتين المقدستين، حققت البعثة الأثرية المشتركة سلسلة من الاكتشافات التي أعادت النظر في بعض التصورات السائدة. وحتى عام 2026، قامت البعثة الأثرية بالتنقيب في منطقة تقدر مساحتها بحوالي 2300 متر مربع من المعبد، وكشفت عن الهيكل الكامل للمقصورات الصغيرة من المقصورة الثانية إلى المقصورة الخامسة للإله أوزوريس في الجزء الجنوبي من المعبد، وأكدت وجود السور الشمالي، واستخرجت عشرات التماثيل لأوزوريس. ووفقا للتقارير، تضم منطقة مجمع معبد مونتو ست مقصورات للإله أوزوريس، وقد تم الانتهاء من التنظيف الأولي للمقصورات الخمس الأولى. في السابق، في المعبد الخامس لأوزوريس، بعد جمع الحجارة المنهارة وترميم الجدار، ظهرت مجموعة من النقوش البارزة التي تجسد الإله حابي. وتظهر النقوش الإله حابي حاملا القرابين بكلتا يديه، في تماثيل متقابلة أمام مدخل المعبد، وأمام كل تمثال نقش يسجل أنواع القرابين. أما في المقصورة الثالثة لأوزوريس، فيحتفظ الجزء المتبقي من الجدار بمشهد نقش بارز لتقديم القرابين من قبل كاهنة مقدسة في مصر القديمة، مما يوفر أدلة أثرية جديدة تساعد على إعادة بناء تاريخ تولي الكاهنات المقدسات السلطة في الأسرتين 25 و26 من مصر القديمة. وقد غيرت هذه الاكتشافات التصورات السائدة في الأوساط الأكاديمية بشأن التقسيم الوظيفي لمنطقة المعبد، وأظهرت أن هذه المنطقة أكثر تعقيدا وثراء مما كان يعتقد سابقا.
ويعد دمج المفاهيم والتقنيات الأثرية الصينية سمة مهمة لهذا المشروع. فعلى سبيل المثال، عند استكشاف البحيرة المقدسة، ومن أجل تحديد هيكل البحيرة من دون الإخلال بالآثار، أدخل الفريق الصيني أداة التنقيب الأثرية الصينية المميزة "مجرفة لويانغ"، وقام بتوزيع نقاط متساوية التباعد في منطقة البحيرة المقدسة، ثم حفر عموديا، ونجح في تحديد عمق البحيرة المقدسة وهيكل قاعها، مما وفر أساسا مهما لدراسة أبعادها ووظيفتها. وهناك تفاصيل مماثلة كثيرة، منها جمع وترميم وقراءة النقوش للكتل الحجرية المنهارة، واستخدام نظام المعلومات الجغرافية لدراسة التخطيط الأفقي للموقع وتسلسل مراحله المعمارية، إلى جانب التخطيط لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد لمنطقة معبد مونتو. وعلى مدى ثمانية مواسم من التنقيب، عمل أعضاء البعثة الصينيون والمصريون معا في نفس الموقع، وأجروا البحوث معا، وبنوا علاقات قائمة على الثقة والصداقة. لقد تجاوزت قيمة التنقيب الأثري المشترك بين الصين ومصر مجال علم الآثار نفسه منذ زمن بعيد. قال محمد عبد البديع، المدير العام للبعثة من الجانب المصري ورئيس قطاع الآثار بالمجلس الأعلى للآثار المصري: "يتجلى التواصل بين شعوب الدول من خلال أنشطة ثقافية متعددة. إن التنقيب الأثري المشترك بين مصر والصين هو تعاون بين حضارتين قديمتين، ينقل رسالة الحوار الحضاري، ويعود بالنفع على مصر والصين والعالم بأسره." ويجري تعاون مماثل في المزيد من المواقع الأثرية في مصر. ففي عام 2024، بدأ مشروع التنقيب الأثري المشترك بين الصين ومصر في منطقة سقارة؛ كما حققت بعثة أثرية مشتركة من كلية الآثار والمتاحف بجامعة بكين وغيرها من المؤسسات اكتشافات جديدة في موقع تل عزيز بمنف (ميت رهينة). ويواصل الفريق الأثري الصيني- المصري أعماله في منف والأقصر والإسكندرية وغيرها من المناطق.
يصادف عام 2026 الذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، كما يصادف "عام التبادلات الشعبية بين الصين وأفريقيا". فمن موقع التنقيب في معبد مونتو، إلى إقامة معارض كبرى للحضارة المصرية القديمة تباعا في متحف شانغهاي ومتحف قصر هونغ كونغ الثقافي؛ ومن الترشيح المشترك لنقوش بايخليانغ الصينية ومقياس النيل بجزيرة الروضة المصرية لإدراجهما في قائمة التراث الثقافي العالمي، إلى إنشاء مركز مشترك للآثار البحرية والتراث الثقافي المغمور بالمياه، يتعاظم التفاعل الإنساني بين الصين ومصر على مختلف المستويات. وفي الوقت نفسه، دخلت اللغة الصينية رسميا نظام التعليم الوطني المصري، وافتتحت أقسام أو دورات لتعليم اللغة الصينية في أكثر من ثلاثين جامعة مصرية، ويسافر المزيد من الشباب المصري إلى الصين للدراسة والتدريب. وهكذا ينتقل الحوار بين الحضارات من أعماق التاريخ إلى آفاق مستقبلية أوسع.
وبالوقوف أمام موقع معبد مونتو، تبدو البحيرتان المقدستان، الشمالية والجنوبية، متقابلتين في هدوء. قبل آلاف السنين، نزل الكهنة على الدرج الحجري إلى قاع البحيرة لجلب الماء وإقامة طقوس التطهير؛ وبعد آلاف السنين، سار علماء الآثار الصينيون والمصريون على نفس الدرج الحجري، وقرأوا آثار المياه وذاكرة عصر آخر. إن علم الآثار يستنطق التاريخ النائم من جديد، بينما التعاون الحضارات المختلفة تضيء بعضها بعضا في ظل الفهم المتبادل. ستسكن مياه البحيرتين المقدستين في نهاية المطاف، لكن الحوار الحضاري الذي شهدتاه سيظل مستمرا.
