كلنا شرق < الرئيسية

من التبادل الحضاري إلى شكل جديد للحضارة الإنسانية.. الدلالة الحضارية للتحديث الصيني النمط

: مشاركة
2026-10-30 13:53:00 الصين اليوم:Source د. إيمان مجدي محمد:Author

يثبت التاريخ أن أمة بلا ماض لا يمكن أن يكون لها مستقبل. فالأمم ذات الحضارات العريقة تحمل في أعماقها دائما إرثا ثقافيا يميزها ويمنحها القدرة على مواصلة المسير. والصين، بوصفها إحدى الحضارات الأربع العريقة في العالم، تمتد جذورها إلى أكثر من خمسة آلاف عام. فمن النقوش على العظام ودروع السلاحف إلى رحاب العصر الرقمي، ومن الحضارة الصينية العريقة إلى التحديث الصيني النمط، فإن مسار الصين التنموي ليس مجرد تاريخ لاستمرار الحضارة وتجددها فحسب، وإنما أيضا مسيرة متواصلة للبحث عن طريقها الخاص نحو التحديث والحضارة الإنسانية الجديدة.

واليوم، تمضي الصين في طريقها التنموي الفريد، مستندة إلى ما تختزنه حضارتها من حكمة عميقة، لتقدم للعالم نموذجا من نماذج التحديث يستحق التأمل والدراسة. ويمكن القول إن العمق الحضاري الراسخ للصين، إلى جانب الإنجازات الكبرى التي حققتها في مسيرة التنمية الحديثة، يشكلان معا مفتاحا مهما لفهم الصين المعاصرة.

وفي العصر الجديد، برز سؤال مهم يشغل اهتمام شعوب العالم: كيف تستطيع الصين أن تحقق التحديث الصيني النمط، وفي الوقت ذاته تحافظ على هويتها الثقافية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، حرصت الصين، من خلال تنظيم مختلف المنتديات والندوات والفعاليات الموجهة إلى الباحثين في الشأن الصيني داخل الصين وخارجها، على بناء منصات مفتوحة للحوار والتعلم المتبادل، تجمع رؤى وحكمة الباحثين من مختلف الدول والمناطق، وتتيح لهم معا مناقشة هذه القضية التي تكتسب أهمية خاصة في عصرنا.

ومن هذا المنطلق، وبصفتي أستاذة للغة الصينية في مصر وباحثة في الدراسات الصينية، تشرفت في مطلع شهر سبتمبر 2026، بدعوة من أكاديمية بحوث وكالة أنباء شينخوا، بالمشاركة في الدورة الثانية للمنتدى الأكاديمي الدولي حول فكر شي جين بينغ بشأن الثقافة، وذلك في مدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ. وقد عقدت هذه الدورة من المنتدى تحت عنوان "ترسيخ الذاتية الثقافية ودفع التحديث الصيني النمط إلى الأمام". وخلال المنتدى، تشاركت مع نخبة من الخبراء والباحثين الصينيين ومن مختلف دول العالم عددا من الرؤى حول التحديث الصيني النمط، والثقافة الصينية التقليدية العريقة، والتبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات. وفي هذه المقالة، أعرض بعض الأفكار التي ناقشتها خلال كلمتي في المنتدى.

أولا، ما هو التحديث؟ ولماذا يُعد التحديث في الصين هو "التحديث الصيني النمط"؟

حين نتحدث عن التحديث، فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا عادة هو التنمية الاقتصادية والتقدم التكنولوجي والتحول الاجتماعي. غير أن التحديث، إذا نظرنا إليه من زاوية تطور الحضارات، لا يقتصر على مجرد التحول في أساليب الإنتاج وأنماط الحياة، بل هو أيضا رحلة تبحث فيها أمة عن ذاتها، وتحاول أن تفهم العالم من حولها، وترسم لنفسها طريقا نحو المستقبل.

أما مفهوم "التحديث الصيني النمط"، فقد طرحه الرئيس شي جين بينغ في خطابه المهم في الأول من يوليو عام 2021، بمناسبة الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، حيث أشار إلى أن الصين "تتمسك بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية وتطورها، وتدفع نحو التنمية المنسقة للحضارة المادية والحضارة السياسية والحضارة الروحية والحضارة الاجتماعية والحضارة الإيكولوجية، وتخلق طريقا جديدا للتحديث الصيني النمط، وتخلق شكلا جديدا للحضارة الإنسانية".

والصين دولة تتمتع بخصوصية واضحة، وهذه الخصوصية تضرب بجذورها في تاريخها العريق، وتقاليدها الثقافية الفريدة، وضخامة عدد سكانها واتساع رقعتها الجغرافية، فضلا عن النظام الاشتراكي بقيادة الحزب الشيوعي الصيني. ومن هنا، فإن التحديث الصيني النمط قد انطلق من واقع الصين وخصوصيتها، وشق لنفسه طريقا تنمويا يختلف عن الطريق الذي سلكته الدول الغربية التي سبقت إلى التحديث.

ومن هنا يتضح لنا أن جوهر التحديث الصيني النمط يكمن في تلك "الخصائص الصينية" الواضحة التي تميزه. فهي لم ترسم ملامح مسار التنمية في الصين فحسب، وإنما أيضا فتحت أفقا جديدا أمام مسيرة تقدم الحضارة الإنسانية. وتأتي هذه "الخصائص الصينية" في أربعة أبعاد: الأول، البعد القيمي للتحديث الصيني النمط، والذي يتمثل في "وضع الشعب في المقام الأول". فهو يتجاوز أسر منطق رأس المال، ويجعل تحقيق الرخاء المشترك لجميع أبناء الشعب، وتحقيق التنمية الشاملة للإنسان، غاية نهائية، بحيث تصل ثمار التحديث إلى كل فرد بصورة أوسع وأكثر عدلا. والثاني، طريقه التنموي، فيتمثل في "اتباع طريق التنمية السلمية". فالصين تسعى إلى تحقيق تنميتها في كنف السلام العالمي، وفي الوقت ذاته تجعل من تنميتها قوة تسهم بصورة أفضل في تعزيز السلام العالمي، فتتجاوز بذلك المنطق التاريخي القائل بأن "قوة الدولة لا بد أن تقود إلى الهيمنة"، وتقدم للمجتمع الدولي نمطا جديدا يقوم على التعاون والكسب المشترك. أما الثالث فهو معالجة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، حيث يتمسك التحديث الصيني النمط بمفهوم "التناغم بين الإنسان والطبيعة"، ويجعل من بناء الحضارة الإيكولوجية جزءا لا يتجزأ من المسار الشامل للتحديث، مقدما بذلك الحكمة الصينية والحلول الصينية في سبيل حماية كوكبنا وتحقيق التنمية المستدامة. غير أن المعنى الأعمق للتحديث الصيني النمط يأتي في البعد الرابع الذي يكمن في طابعه التشاركي؛ فالتحديث الصيني النمط لا يخص الصين وحدها، بل يحمل في أبعاده دلالة تتجاوز حدودها إلى العالم بأسره. فهو يفتح أمام البلدان النامية، التي تتطلع إلى تحقيق التنمية وتحافظ في الوقت نفسه على استقلاليتها، خيارا جديدا، ويبرهن على أن التحديث ليس له طريق غربي واحد فحسب.

وبما يحمله من انفتاح وتقدم، يترك التحديث الصيني النمط أثرا عميقا في مسار التاريخ العالمي، ويصبح قوة دافعة لبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. ومن ثم، فإن ما نشهده ليس نجاحا صينيا فحسب، وإنما أيضا ممارسة حية تتجسد فيها ملامح شكل جديد للحضارة الإنسانية.

ثانيا، الحضارة الصينية العريقة والثقافة التقليدية والتحديث الصيني النمط.

ومن خلال الأبعاد الأربعة السابقة، يمكننا أن نلمس بوضوح أن التحديث الصيني النمط متجذر في العديد من المفاهيم الراسخة في الثقافة الصينية التقليدية.

فالتوجه القيمي للتحديث الصيني النمط، المتمثل في "وضع الشعب في المقام الأول"، تضرب جذوره بعمق في التقليد الصيني العريق الذي يجعل الشعب أساس الدولة. فقد ورد في "أغاني أبناء الملك الخمسة" في كتاب ((شانغشو)): "الشعب هو أساس الدولة، وإذا استقر الأساس استقرت الدولة"، بحيث يكون الشعب أصل الدولة وركيزتها. ثم جاء كتاب ((منشيوس)) ليعمق هذه الرؤية بقوله: "الشعب هو الأهم، ثم الدولة، ثم الملك"، مؤكدا أن رضا الشعب وسخطه هما من العوامل الحاسمة في ازدهار الحكم أو تراجعه.

أما اتباع التحديث الصيني النمط طريق التنمية السلمية، فتتجذر خلفيته الفلسفية في ثقافة "الوئام" التي تمثل إحدى الركائز العميقة للحضارة الصينية. فقد دعا كتاب ((شانغشو)) إلى "التناغم بين جميع الدول"، وقال كونفوشيوس: "أحب للآخر ما تحبه لنفسك، ولا ترض للآخر ما لا ترضاه لنفسك"، بينما أكد كتاب ((الحوار)) لكونفوشيوس مبدأ "الوئام رغم الاختلاف". وهكذا تضافرت هذه الأفكار لتنسج منظومة من القيم قوامها الانسجام والتسامح والتعايش.

كما أن إصرار التحديث الصيني النمط على "التناغم بين الإنسان والطبيعة" يستند إلى جذور فلسفية عميقة تتمثل في مفهوم "وحدة الإنسان والطبيعة"، الذي يعبر عن رؤية كونية تنظر إلى الإنسان والطبيعة بوصفهما كيانا متكاملا.

أما الطابع التشاركي للتحديث الصيني النمط، فلا يتجلى في استفادة الجميع من ثمار التنمية داخل الصين فحسب، بل يمتد كذلك إلى رؤيته للعالم. فقد رسم كتاب ((ليجي))، في فصل "لييون"، صورة مثالية تقول: "عندما يسود الطريق العظيم، يكون العالم للجميع". كما صاغ المفكر الصيني فيّ شياو تونغ هذه الرؤية في العبارة الشهيرة "أن نقدر جمالنا، ونقدر جمال الآخرين، ونتشارك جميعنا الجمال، ونصل إلى عالم يسوده الوئام". وهاتان الرؤيتان معا ترسمان صورة مثالية لمنظومة الحضارة الإنسانية في التصور الصيني.

ولهذا السبب تحديدا، يكتسب البعد التشاركي أهمية بالغة. فالصين مستعدة لأن تشارك العالم خبراتها في مجال التحديث، حتى تتمكن الدول الأخرى من الاستفادة مما يلائم ظروفها الوطنية من تجارب ونماذج. غير أن الصين لم تفرض على أي دولة في يوم من الأيام أن تنسخ تجربتها أو تقلد التحديث على النمط الصيني بصورة مطابقة.

ومن ثم، أرى أنه إذا كانت الثقافة الصينية التقليدية الممتازة هي "الجذور" التي تضرب في أعماق الأرض، والتي يستمد منها التحديث الصيني النمط قوته، فإن الإنجازات التي حققها هذا التحديث هي "الثمار" التي أثمرتها هذه الشجرة. أما مبادرة الحضارة العالمية، وبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، فهما "الثمار" التي تأمل الصين أن تتقاسمها مع دول العالم كافة.

ثالثا، كيف ننتقل من "التحديث الصيني النمط" إلى "الشكل الجديد للحضارة الإنسانية"؟

إن مبادرة الحضارة العالمية التي طرحها الرئيس شي جين بينغ في مارس عام 2023، هي امتداد طبيعي لمسارات الثقافة الصينية التقليدية المختلفة. فهي تؤكد احترام تنوع الحضارات في العالم، وإعلاء القيم المشتركة للبشرية جمعاء، وإيلاء أهمية لاستمرار الحضارات وتجددها، وتعزيز التبادل والتعاون الإنساني على الصعيد الدولي. فالحضارة تستمد قدرتها على الحياة والاستمرار من التعلم المتبادل، وهذا التبادل بين الحضارات والتعلم المتبادل منها يمثل شرطا أساسيا لنشوء شكل جديد للحضارة.

ومن خلال تأمل العديد من جوانب فكر شي جين بينغ بشأن الثقافة، أدركت أن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية تمثل الأساس الذي يقوم عليه التحديث الصيني النمط، وأن التحديث الصيني النمط نفسه يمثل قاعدة أساسية للشكل الجديد للحضارة الإنسانية.

وقد أثبتت الصين للعالم، من خلال عشرات السنين من الممارسة، أن التحديث ليس سؤالا لا يحتمل إلا إجابة واحدة، وأن الحضارة ليست قالبا واحدا لا يتغير. إن الربط بين طريق أمة ومسيرة الحضارة الإنسانية يعود إلى أن ما يقدمه التحديث الصيني النمط ليس نموذجا يفرض على الآخرين أو يصدر إليهم، وإنما يقدم إمكانية جديدة للتفكير والإلهام. ولعل هذه هي أعمق إسهاماته في الحضارة الإنسانية.

وبصفتي أستاذة للغة الصينية في مصر وباحثة في الدراسات الصينية، أشعر بعمق بأن الحضارتين المصرية والصينية، رغم اختلاف مساراتهما التاريخية وتنوع أشكال التعبير الثقافي لديهما، قد أسهمتا إسهاما مهما في مسيرة الحضارة الإنسانية.

واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى أن نجعل من الشباب جسرا يصل بين الحضارات، ومن اللغة جسرا آخر للتواصل، ومن العصر الرقمي منصة جديدة للحوار، وأن نعزز التفاعل والتعلم المتبادل بين الحضارات المختلفة، حتى تستعيد الحضارات العريقة حيويتها، وتواصل إشراقها في العصر الجديد.

ومن التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات إلى الشكل الجديد للحضارة الإنسانية، ليست هذه الرحلة مجرد تعبير عن العمق الحضاري الكامن في التحديث الصيني النمط فحسب، وإنما أيضا هي استكشاف صيني نشيط لتعدد طرق التحديث في العالم.

وأؤمن بأن جذور الحضارة الصينية كلما تعمقت في أرضها، ازداد طريق التحديث الصيني النمط رسوخا وثباتا؛ وكلما اتسع الجسر الذي يصل بين الحضارات المختلفة عبر التبادل والتعلم المتبادل، اتسعت أمام البشرية آفاق المستقبل المشترك، وأصبح الطريق نحو التنمية المشتركة أكثر رحابة وإشراقا.

--

د. إيمان مجدي محمد، أستاذة بكلية الألسن في جامعة قناة السويس، وباحثة في الدراسات الصينية.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4