في رسالته بمناسبة العام الجديد، وصف الرئيس شي جين بينغ عام 2024 بأنه عام استثنائي مليء بلحظات لا تنسى.
لقد شهدت الصين "قوس قزح" بالرغم من "الرياح والأمطار". وأظهر الاقتصاد الصيني مرونة كبيرة ومسارا تصاعديا، حيث من المتوقع أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين 130 تريليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 2ر7 يوانات تقريبا حاليا)، وهو ما يحقق هدف النمو المحدد مسبقا بنحو 5%.
في يوليو، جدّدت الجلسة الكاملة الثالثة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، التزامها بالإصلاح والانفتاح، وتحققت إنجازات جديدة في مجال العلوم والتكنولوجيا. فقد جمع المسبار "تشانغ آه- 6" القمري، عيّنات من الجانب البعيد للقمر، في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم، كما تم تسجيل المزيد من الأرقام القياسية في مجال استكشاف النجوم والمحيطات.
وعلى الصعيد الدولي، واصلت الصين الدعوة إلى بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وساهمت في السلام والاستقرار العالميين. وقال الرئيس شي: "قد تكون الأحلام والرغبات بعيدة، ولكن يمكن تحقيقها بالسعي الدؤوب." وأضاف: "يواجه الاقتصاد الصيني حاليا بعض الظروف الجديدة، بما في ذلك تحديات عدم اليقين في البيئة الخارجية، وضغوط التحول من محركات النمو القديمة إلى محركات جديدة. ولكننا قادرون على الانتصار بفضل عملنا الجاد."
التنمية العالية الجودة
في عام 2024، كانت عبارة "القوى المنتجة الحديثة النوعية" من العبارات المتداولة الجاذبة للاهتمام. هذا المفهوم الذي صاغه شي جين بينغ، يعني خلق محركات نمو عالية التقنية وعالية الكفاءة وعالية الجودة، ومتحررة من قيود أنماط النمو الاقتصادي التقليدية، لتعزيز القوى المنتجة العالية الجودة، بما يتماشى مع مفاهيم التنمية الخمسة الجديدة المتمثلة في الابتكار والتناسق والخضرة والانفتاح والتمتع المشترك.
لقد احتلت الابتكارات العلمية والتكنولوجية مركز الصدارة في هذا التحول. ففي مؤشر الابتكار العالمي لعام 2024، وهو التصنيف السنوي الذي تصدره المنظمة العالمية للملكية الفكرية، احتلت الصين المركز الحادي عشر، متقدمة 18 مركزا مقارنة بالتصنيف الذي احتلته قبل عشر سنوات. واليوم، تضم الصين 26 من أفضل مائة مجمع علمي وتكنولوجي في العالم، وهو ما يؤكد زخم الابتكار لديها. وقد قال الرئيس شي: "لقد عززنا القوى المنتجة الحديثة النوعية، في ضوء الظروف الفعلية. وتواصل بزوغ قطاعات أعمال وأشكال ونماذج جديدة. ولأول مرة، أنتجت الصين أكثر من عشرة ملايين مركبة تعمل بالطاقة الجديدة في عام واحد. وتم تحقيق اختراقات في الدوائر المتكاملة والذكاء الاصطناعي والاتصالات الكمومية، والعديد من المجالات الأخرى."
تعد صناعة المركبات التي تعمل بالطاقة الجديدة في الصين، رمزا للتحول الأخضر، بفضل قدرة الصين على الابتكار، ودفع الحكومة نحو التنمية الخضراء. لقد ارتفعت حصة سوق المركبات التي تعمل بالطاقة الجديدة في الصين من حوالي %1 فقط في عام 2015، إلى أكثر من %50 من السوق المحلية حاليا. وفي يوليو 2024، تجاوزت حصتها نسبة المركبات التي تعمل بالوقود التقليدي، لأول مرة.
لقد جاء الزخم الكبير بفضل برنامج المقايضة المدعوم من الدولة للسلع الاستهلاكية. فالمشتري الذي يستبدل بمركبته القديمة مركبة تعمل بالطاقة الجديدة يحصل على دعم قدره 20 ألف يوان، وهو أكثر بخمسة آلاف يوان من الدعم الذي يحصل عليه من يشتري مركبة تعمل بالوقود التقليدي.
ولعبت ابتكارات المؤسسات أيضا دورا رئيسيا. على سبيل المثال، فإن شركة "بي واي دي" لصناعة المركبات الكهربائية، التي وصل إنتاجها من المركبات التي تعمل بالطاقة الجديدة إلى عشرة ملايين وحدة في نوفمبر 2024، استثمرت مائة مليار يوان لتحديث مركباتها الذكية، ودمج الذكاء الاصطناعي مع تكنولوجيا المركبات، وفقا لتقرير من وكالة أنباء شينخوا.
يعمل الذكاء الاصطناعي على تحويل قطاع التصنيع. ووفقا لتقرير تطوّر الإنترنت في الصين لعام 2024، فقد بنت الصين ما يقرب من عشرة آلاف ورشة عمل رقمية ومصنع ذكي. وهي الدولة التي لديها أكبر عدد من براءات الاختراع، والذي يتجاوز أربعة ملايين.
مدينة تايتشو التي تقع في مقاطعة تشجيانغ بشرقي الصين، معروفة بصناعة المركبات، وتشكل حالة مضيئة جديرة بالدراسة. فهي تخلق حاليا تميزا آخر، حيث تفخر بمصنع عملاق للأقمار الاصطناعية ينتج 500 قمر اصطناعي كل عام. وقد أدى نظام الشبكة الذكية المتكامل، الذي يشمل تصميم الأقمار الاصطناعية والبحث والتطوير والإنتاج والاختبار والتشغيل، إلى تقليص وقت إنتاج كل قمر اصطناعي إلى 28 يوما، بعد أن كان أكثر من عام في السابق، وخفض التكاليف بشكل كبير إلى مستوى 55% فقط عن السابق.
قال هوانغ تيه جيون، أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة بكين: "ستتعامل نماذج الذكاء الاصطناعي مع مهام متزايدة التعقيد والدقة، مما يؤدي إلى تطوير قدرات جديدة غير متوقعة. وفي المستقبل، سيصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة البنية الأساسية الرئيسية، على غرار شبكات الماء والكهرباء."
قال الرئيس شي، إن الصين ستنفذ سياسات أكثر استباقية، وستسعى إلى تحقيق التنمية العالية الجودة كأولوية قصوى، وتعزيز الاعتماد على الذات والقوة في العلوم والتكنولوجيا، والحفاظ على الزخم السليم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الشعب في المقام الأول
قال الرئيس شي إن من بين كل المهام التي تنتظرنا في المستقبل، الأهم هو ضمان حياة سعيدة للشعب. وللتأكد من أن أبناء الشعب يعيشون حياة غنية، قام في عام 2024 بجولة في أنحاء البلاد، وزار المزارع ومنازل القرويين والمناطق الحضرية، وتحدث إلى الناس، وتعرّف على اهتماماتهم.
في نوفمبر، زار الرئيس شي مقاطعة هوبي في وسط الصين، حيث تفقد مزرعة للخضراوات. وحث السكان المحليين على الاستفادة من التقدم التكنولوجي الذي من شأنه أن يعزز الإنتاج ويخلق المزيد من الفوائد. كما تفقد مرافق رعاية المسنين والخدمات المجتمعية، ودعا إلى اتخاذ تدابير أكثر استهدافا لمعالجة الشواغل العامة، مع التركيز على احتياجات المسنين والأطفال.
في أكتوبر، وخلال زيارته لمقاطعة فوجيان في شرقي الصين، تحدث الرئيس شي إلى الصيادين في إحدى القرى، مستفسرا عن تجارة المأكولات البحرية المجففة، والمنتجات البحرية الطازجة. وقد شعر بالسرور لرؤية التغيرات الهائلة في القرية التي زارها قبل ثلاثة وعشرين عاما، وحث السكان المحليين على الاستفادة من مزاياها والاستفادة من الموارد البحرية المحلية. وقال: "المناطق الريفية توفر فرصا هائلة، والزراعة تتمتع بإمكانيات كبيرة."
وفي سبتمبر، وخلال زيارته لمقاطعة قانسو في غربي الصين، قام الرئيس شي بجولة في بستان للتفاح. هذا البستان محاط بصفوف من أشجار التفاح الأحمر الياقوتي من نوع هوانيو، وهو من أنواع التفاح التي تشتهر بها المنطقة. تحدث الرئيس شي إلى مزارعي التفاح والفنيين الزراعيين، وشجعهم على جعل صناعة التفاح المحلية أكثر نجاحا. وقال: "إنعاش المناطق الريفية لا بد أن يكون مدعوما بصناعات قوية. ويتعين على المناطق أن تستفيد من مزاياها الفريدة، وأن تسعى لاتباع مسارات التنمية المناسبة لاحتياجاتها."
وفي يونيو، زار مركز خدمة تجمع سكني في ينتشوان، عاصمة منطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي في شمال غربي الصين. وهناك تم إطلاعه على خدمات التجمع السكني لتسهيل الحياة اليومية والأنشطة الثقافية للسكان. وأكد الرئيس شي على الدور الرئيسي للتجمعات السكنية في خدمة قاطنيها، مشددا على ضرورة وجود فريق مستقر من العاملين المخلصين في التجمعات السكنية. وقال إنه يتعين على التجمعات السكنية أن تستكشف أساليب جديدة لتقديم خدمات أفضل.
وأكد الرئيس شي أن الصين ستواصل تحسين حياة الشعب، من خلال زيادة معاش التقاعد الأساسي في عام 2024، وخفض أسعار فائدة الرهن العقاري، وتوسيع نطاق تسوية الفواتير الطبية بين المقاطعات، مما يسهل الحصول على العلاج الطبي في جميع أنحاء البلاد، مضيفا أن كل هذه الفوائد تعود على الشعب بمنافع حقيقية.
من أجل عالم أفضل
قال الرئيس شي، في رسالته بمناسبة العام الجديد، إنه في عالم مليء بالتحولات والاضطرابات، تعمل الصين، كدولة كبيرة مسؤولة، على تعزيز إصلاح الحوكمة العالمية وتعميق التضامن والتعاون بين دول الجنوب العالمي.
خلال عام 2024، زار الرئيس شي أوروبا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، وناقش قضايا ملحة مع شخصيات كبيرة هناك. كما حضر قمة مجموعة بريكس في مدينة قازان الروسية، وثلاثة أحداث رئيسية في بكين، هي: مؤتمر الذكرى السنوية السبعون للمبادئ الخمسة للتعايش السلمي، ومنتدى التعاون الصيني- العربي، وقمة منتدى التعاون الصيني- الأفريقي. وفي كل هذه المشاركات، دعا إلى التعاون المزدوج المنفعة وتعزيز الثقة المتبادلة.
ومع صعود الدول النامية، أصبح "الجنوب العالمي" مصطلحا آخر متداولا في عام 2024. وقد سلط الرئيس شي الضوء غير مرة على أهمية حشد بلدان الجنوب العالمي معا. وخلال حديثه في حوار قادة "بريكس+" في قازان في أكتوبر، أعرب عن دعمه القوي لتنمية بلدان الجنوب العالمي وتطلعاتها، وذكر مصطلح "الجنوب العالمي" ثلاث عشرة مرة.
وفي قمة مجموعة العشرين في ريو دي جانيرو في نوفمبر، قال الرئيس شي إن الصين، كونها القوة الرئيسية في تعزيز تنمية الجنوب العالمي الذي يمثل أكثر من 40% من الاقتصاد العالمي، ستظل دوما عضوا في الجنوب العالمي، وشريكا موثوقا به على المدى الطويل للدول النامية، وشريكا فاعلا وطموحا يعمل من أجل قضية التنمية العالمية.
قدمت الصين مساعدات إنمائية لأكثر من 160 دولة، وأنشأت صندوق التنمية العالمية وتعاون الجنوب- الجنوب، الذي دعم أكثر من 150 مشروعا.
كما شهد عام 2024 التزام الصين الثابت ببناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، من خلال الانفتاح الرفيع المستوى والتعاون المزدوج المنفعة، وخلق فرص لتحديث البلدان الأخرى. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، إطلاق "مجتمع المستقبل المشترك بين الصين وصربيا في العصر الجديد"، وهو الأول من نوعه في أوروبا. وشهدت قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي الإعلان عن "مجتمع المستقبل المشترك في كل الأحوال بين الصين وأفريقيا في العصر الجديد".
وخلال سنوات، تجاوز عدد رحلات قطارات الشحن بين الصين وأوروبا مائة ألف رحلة، مما عزز التجارة والتنمية بين الجانبين. وحتى الآن، انضمت 155 دولة إلى التعاون ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، وتتمتع 54 دولة بإعفاءات من تأشيرة العبور في الصين.
تعمل الصين أيضا على تعزيز السلام والاستقرار بالمناطق الساخنة. وفيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، فقد عززت الصين الجهود لدفع محادثات السلام بين الجانبين، وأصدرت مع البرازيل ستة تفاهمات مشتركة لحل الأزمة سياسيا. كما جمعت بلدان الجنوب العالمي الأخرى معا لإطلاق "مجموعة أصدقاء السلام".
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية- الإسرائيلية، دفعت الصين نحو اعتماد أول قرار من جانب مجلس الأمن الدولي بشأن وقف إطلاق النار في غزة، وسهلت حوار المصالحة بين أربعة عشر فصيلا فلسطينيا، والذي أسفر عن توقيع "إعلان بكين" بشأن إنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية.
قال الرئيس شي، إنه مع تسارع التغيّرات التي يشهدها العالم بشكل غير مسبوق منذ قرن من الزمن، من المهم أن نسمو فوق القطيعة والصراع، من خلال التحلي برؤية واسعة، ونولي اهتماما مخلصا لمستقبل البشرية. ستعمل الصين مع جميع البلدان، لتعزيز الصداقة والتعاون، وتعزيز التعلم المتبادل بين مختلف الثقافات، وبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.