خلال الفترة من الثلاثين من أكتوبر إلى الأول من نوفمبر 2025، قام الرئيس الصيني شي جين بينغ، بزيارة دولة لجمهورية كوريا، وحضر الاجتماع الثاني والثلاثين لقادة اقتصادات منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك). هذه الزيارة هي أول جولة خارجية للرئيس شي بعد اختتام الجلسة الكاملة الرابعة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، مما يؤكد أهميتها في الأجندة الدبلوماسية الصينية.
حفل جدول الزيارة، التي استمرت ثلاثة أيام، بالعديد من الأنشطة، ومنها لقاء الرئيس شي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس جمهورية كوريا لي جاي ميونغ، إضافة إلى مشاركته في مناقشات منتدى "أبيك". وخلال هذه الأنشطة، أكد الرئيس شي التزام الصين بتعزيز الانفتاح وتعميق التعاون الإقليمي وتعزيز الرخاء المشترك.
العلاقات الصينية- الأمريكية.. الحوار بدلا من التباعد
كان الحدث الأكثر ترقبا، وهو اللقاء بين شي وترامب في بوسان في الثلاثين من أكتوبر، محل اهتمام عالمي. لقد كان أول لقاء مباشر بينهما منذ سنوات، وجاء في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية بين البلدين تحديات متكررة. وقد نجح هذا اللقاء في رسم معالم مستقبل أقوى دولتين في العالم.
الرسوم الجمركية والعناصر النادرة والرقائق الإلكترونية، عبارات مثيرة باتت ترمز إلى توتر العلاقات بين بكين وواشنطن خلال الأشهر الأخيرة، حيث اتخذت الدولتان إجراءات وإجراءات مضادة، الأمر الذي يعطي مثالا تحذيريا حول كيفية إدارة علاقة حيوية لكلا الجانبين والعالم بأسره.
من أجل إعادة العلاقات إلى مسارها الصحيح، يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية أن تنظر إلى الصين بموضوعية وعقلانية. فعلى مدى سنوات، سعت أصوات متشددة في واشنطن إلى تسييس صعود الصين، لخدمة أجنداتها السياسية الخاصة، مما أدى إلى تضليل الرأي العام وتأجيج توترات لا ضرورة لها. ينبغي على واشنطن ألا تسمح لمثل هذه الأجندات الخاصة بأن تعكر صفو أحكامها، أو تُملي عليها سياساتها تجاه الصين.
من القتال جنبا إلى جنب خلال الحرب العالمية الثانية ضد الفاشية، إلى إعادة التبادلات بين البلدين من خلال "دبلوماسية تنس الطاولة" التاريخية في سبعينيات القرن العشرين، ثم إلى التعاون في مواجهة التحديات العالمية في القرن الحادي والعشرين، أظهر التاريخ غير مرة، أن الصين والولايات المتحدة الأمريكية شريكتان وصديقتان قادرتان على التعاون من أجل المنفعة المتبادلة، وليستا متنافستين أو في عداء لا مفر منه.
خلال لقائهما، أكد الرئيس شي لترامب أن الصين لا تعتزم تحدي أحد، أو التفوق عليه. وقال: "إن تركيزنا ينصب على إدارة شؤون الصين الخاصة بكفاءة وتطوير أنفسنا، ومشاركة فرص التنمية مع جميع دول العالم." في الواقع، وكما قال شي، فإن تنمية الصين ونهضتها تسيران جنبا إلى جنب مع رؤية ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا".
ينبغي على الجانبين الاعتراف باختلافاتهما، والسعي إلى الحوار والتعاون. فالعلاقة بين الدول، شأنها شأن العلاقة بين الأفراد، لا بد أن تواجه بعض الاختلافات. المهم هو إدارة هذه الاختلافات بمسؤولية، ومنع تفاقمها وتحولها إلى مجابهة. قال الرئيس شي: "بالنظر إلى اختلاف الظروف الوطنية، قد لا يتفق الجانبان دوما. من الطبيعي أن تحدث اختلافات بين أكبر اقتصادين في العالم." وأكد أنه يتعين عليهما، بصفتهما قائدين للعلاقات الصينية- الأمريكية، التمسك بالمسار الصحيح، وتجاوز هذه الظروف المعقدة، وضمان إبحار سفينة العلاقات الصينية- الأمريكية العملاقة بثبات في مواجهة الرياح والأمواج والتحديات.
إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الصين والولايات المتحدة في كوالالمبور في أكتوبر 2025، والذي يقضي بالتوقف مؤقتا عن بعض الإجراءات الانتقامية، يعد تطورا مرحبا به. وأكد الرئيس شي قائلا: "ينبغي للجانبين أن يفكرا مليا وأن يدركا فوائد التعاون على المدى الطويل، ويجب ألا يقعا في حلقة مفرغة من الإجراءات الانتقامية المتبادلة."
بناء مستقبل مشترك لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ
في كلمته التي ألقاها في الجلسة الأولى للاجتماع الثاني والثلاثين لقادة اقتصادات "أبيك"، في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2025، ألقى الرئيس شي الضوء على الدور المحوري للمنتدى في دفع عجلة التنمية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وقال: "على مدى أكثر من ثلاثين عاما منذ تأسيس منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، بدءا من وضع مخطط منطقة التجارة الحرة لـ’أبيك‘، وصولا إلى تعزيز رؤية مجتمع آسيا والمحيط الهادئ، قاد ’أبيك‘ صعود المنطقة إلى طليعة التنمية العالمية المنفتحة، وجعل منطقة آسيا والمحيط الهادئ الجزء الأكثر ديناميكية في الاقتصاد العالمي."
إن منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تشكل ثلث سكان العالم، وأكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ونحو نصف التجارة العالمية، تعد اليوم المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي العالمي. وقد أكد الرئيس شي التزام الصين الراسخ بالتجارة الحرة، وعرض رؤية بلاده لتعزيز الرخاء والتعاون المستمرين في جميع أنحاء المنطقة.
ومن أجل البدء الفعلي في التعاون، طرح الرئيس شي مقترحات من خمس نقاط لتعزيز عولمة اقتصادية شاملة ومفيدة للجميع، وبناء مجتمع آسيا والمحيط الهادئ. دعت هذه المقترحات إلى العمل معا لحماية النظام التجاري المتعدد الأطراف وتهيئة بيئة اقتصادية منفتحة في المنطقة والمحافظة على سلاسة واستقرار سلاسل الصناعة والتوريد ودفع تحول التجارة نحو الرقمنة والخضرة، وتعزيز التنمية الشاملة ذات المنفعة المتبادلة.
وخلال كلمته خلال الجلسة الثانية للاجتماع الثاني والثلاثين لقادة اقتصادات "أبيك"، في الأول من نوفمبر 2025، أوضح الرئيس شي بالتفصيل كيفية العمل معا لبناء مستقبل أكثر استدامة وإشراقا. وأكد على ضرورة إطلاق العنان لإمكانيات التنمية الرقمية والذكية لمنح منطقة آسيا والمحيط الهادئ ميزة تنافسية في التنمية القائمة على الابتكار والالتزام بالتنمية الخضراء المنخفضة الكربون لبناء نموذج جديد للتنمية المستدامة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وبناء مستقبل شامل ومفيد للجميع لتعزيز ديناميكية جديدة في النمو الشامل للمنطقة.
ومن أبرز أحداث زيارة شي جين بينغ، سلسلة اللقاءات الثنائية التي عقدها مع قادة من اقتصادات أعضاء أخرى في "أبيك"، ومنها اللقاء مع رئيس جمهورية كوريا لي جاي ميونغ، الذي يعد خطوة مهمة لتعزيز الثقة المتبادلة وتعميق التعاون بين الجارتين الآسيويتين، في ظل ديناميكيات إقليمية متغيرة.
كانت الزيارة هي الأولى للرئيس شي لجمهورية كوريا منذ أحد عشر عاما. وخلال زيارته السابقة في يوليو 2014، وصف شي، في كلمة ألقاها بجامعة سيول الوطنية، زيارته بأنها "زيارة لمنزل جار وزيارة صديق". واقتبس الرئيس شي قولا صينيا تقليديا يؤكد على أن الجار الطيب أثمن من الذهب.
على مدى عقود من الزمن، تطورت صداقة الجوار هذه إلى تعاون متين وإمكانيات اقتصادية هائلة. ووفقا للإحصاءات، فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وجمهورية كوريا في عام 1992، تضاعف حجم التبادل التجاري بينهما أكثر من ستين مرة. وظلت الصين أكبر شريك تجاري لجمهورية كوريا على مدى إحدى وعشرين سنة متتالية، بينما تعد جمهورية كوريا ثاني أكبر شريك تجاري للصين.
وخلال لقائه مع لي جاي ميونغ، أكد الرئيس شي جين بينغ، أن الجوار الجغرافي بين الصين وجمهورية كوريا لا يمكن تغييره، وهما شريكتان في التعاون لا يمكن الفصل بينهما. وأعرب عن استعداد الصين لتعزيز التواصل مع جمهورية كوريا وتعميق التعاون وتوسيع المصالح المشتركة ومواجهة التحديات معا، بما يضمن مساهمة شراكة التعاون الإستراتيجي بينهما في تعزيز السلام والتنمية الإقليميين.
لا تبرز زيارة الرئيس شي تأثير الصين المتنامي في تشكيل الحوكمة الاقتصادية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ فحسب، وإنما أيضا تعكس استعداد الصين لتعزيز الحوار وبناء الثقة والسعي إلى تعاون مربح للجميع مع شركائها الرئيسيين. وفي ظل رياح اقتصادية عالمية معاكسة وديناميكيات جيوسياسية متغيرة، عبرت دبلوماسية شي، خلال منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، عن الثقة والواقعية، مؤكدة عزم الصين على السعي لتحقيق الاستقرار من خلال التعاون، والمساهمة في تعزيز اليقين والشمول والحيوية في التنمية الإقليمية والعالمية.
