في الثامن من ديسمبر 2025، ترأس الرئيس شي جين بينغ اجتماعا للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، لتحليل ودراسة العمل الاقتصادي لعام 2026، ومراجعة مجموعة من اللوائح المتعلقة بقيادة الحزب الشيوعي الصيني للحوكمة وفقا للقانون في جميع الجوانب. وقد أكد هذا الاجتماع أن عام 2025 كان ذا أهمية للمضي قدما في عملية التحديث الصيني النمط، وأشار إلى أن الصين قد نفذت سياسات كلية أكثر استباقية وفعالية، وأنه من المتوقع تحقيق الأهداف الرئيسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بنجاح.
وخلال مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي السنوي، الذي عقد يومي العاشر والحادي عشر من ديسمبر، استعرض شي جين بينغ، العمل الاقتصادي للبلاد في عام 2025، وحلل الوضع الاقتصادي الراهن، ووضع خطة العمل الاقتصادي لعام 2026. وأشار المؤتمر إلى أن "الصين، قد تجاوزت بنجاح على مدى السنوات الخمس الماضية، مختلف الصدمات والتحديات، وحققت إنجازات جديدة مهمة في قضايا الحزب والبلاد".
خلال عام 2025، قام الرئيس شي بجولات تفقدية داخلية واسعة النطاق وزيارات خارجية، وعقد وشارك في سلسلة من الاجتماعات الرفيعة المستوى، وأصدر توجيهات مهمة بشأن أولويات التنمية الوطنية. توفر كل هذه الأنشطة رؤية شاملة للحوكمة الاقتصادية في الصين، وتسلط الضوء على الأولويات الإستراتيجية التي شكلت أجندة السياسة الصينية خلال عام 2025، وتشير إلى استمرارية وتوجه إطار السياسة الاقتصادية للبلاد في عام 2026.
استعراض عام 2025
في استعراضه للأداء الاقتصادي للصين في عام 2025، أشار اجتماع الثامن من ديسمبر إلى أن الاقتصاد ظل مستقرا بشكل عام، مع تحقيق تقدم مطرد. وقد تطورت القوى المنتجة الحديثة النوعية بشكل مطرد، وتقدم الإصلاح والانفتاح بخطوات جديدة، كما تم إحراز تقدم فعال في الحد من المخاطر في المجالات الرئيسية. وقد تم تحقيق الضمان لمعيشة الشعب بشكل أفضل، والمحافظة على الاستقرار الاجتماعي بشكل عام.
في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2025، حقق الناتج المحلي الإجمالي للصين نموا بنسبة 2ر5% على أساس سنوي، ومن المتوقع أن يكون حجم الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 حوالي 140 تريليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 7 يوانات تقريبا حاليا). تبين هذه الأرقام مرونة النمو الصيني والأساس المتين الذي يدعم أهداف التنمية الطويلة الأجل.
ومن أبرز سمات عام 2025، التطور السريع للقوى المنتجة الحديثة النوعية، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي. وخلال جولته التفقدية في شانغهاي في إبريل 2025، زار شي جين بينغ، مركز مؤسسة شانغهاي لابتكار النماذج، وهو حاضنة للنماذج الكبيرة للذكاء الاصطناعي، حيث استمع إلى إيضاحات حول صناعة الذكاء الاصطناعي في المدينة، وتفقد عروض المنتجات، وتم إطلاعه على التقدم الذي تحقق في البحث والتطوير للأغراض التجارية. وأشاد الرئيس شي بإنجازات المدينة، مؤكدا أن تقنيات الذكاء الاصطناعي السريعة التطور تدخل مرحلة نمو هائل. وشجع الرئيس شي شانغهاي على تعزيز دمج خبراتها في مجال احتضان النظم الإيكولوجية الصناعية ذات النماذج الكبيرة لقيادة تطوير الذكاء الاصطناعي وحوكمته.
وقام شي جين بينغ بجولة في متجر تجريبي لمنتجات الذكاء الاصطناعي، يضم نظارات ذكية وألعابا ذكية وأجهزة مبتكرة أخرى. وبعد أن تعرف على وظائفها وأسواقها، وجرب بنفسه نظارة ذكية، أكد على مزايا الصين في موارد البيانات والقدرة الصناعية وحجم السوق. وأشار إلى أن الصين تتمتع بموارد بيانات غنية ومنظومة صناعية متكاملة وسوق ضخمة، مؤكدا أن الصين أمامها آفاق واسعة لتعزيز الذكاء الاصطناعي، داعيا إلى تعزيز دعم السياسات وتطوير الأكفاء.
أما قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين فقد واصل نموه، واكتسب زخما متزايدا خلال السنوات القليلة الماضية. ففي عام 2024، تجاوزت قيمة هذا القطاع 900 مليار يوان، مسجلة نموا سنويا بنسبة 24%. ويعود الفضل في هذا الزخم إلى قدرة الصين الابتكارية القوية، حيث تستحوذ الصين حاليا على نحو 60% من براءات الاختراع العالمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. وبحلول نهاية الربع الثالث من عام 2025، بلغ عدد شركات الذكاء الاصطناعي في الصين أكثر من 5300 شركة، أي ما يعادل 15% من الإجمالي العالمي، لتشكل بذلك منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية الأساسية وأطر النماذج وسيناريوهات التطبيق المتنوعة.
ومن أجل توجيه هذا النمو وتسريعه، أصدر مجلس الدولة الصيني في أغسطس 2025، توجيهات لتنفيذ مبادرة "الذكاء الاصطناعي+". تدعو هذه المبادرة إلى دمج أعمق للذكاء الاصطناعي في البحوث العلمية، والتحديث الصناعي، والاستهلاك، والخدمات الاجتماعية، والحوكمة العامة، والتعاون الدولي، بهدف تحويل نقاط القوة الصناعية والتقنية المتنامية في الصين إلى فوائد اقتصادية واجتماعية أوسع.
وتم التأكيد على هذه المبادرة مرة أخرى في مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي، الذي أشار إلى أنه "سيتم بذل المزيد من الجهود للنهوض بمبادرة ’الذكاء الاصطناعي+‘، وتحسين منظومة حوكمة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الابتكار في تمويل العلوم والتكنولوجيا".
إن التزام الصين الراسخ بالانفتاح العالي المستوى هو أحد المحاور الرئيسية الأخرى لنموها وتطورها. ويعد ميناء هاينان للتجارة الحرة، الذي أشرف شي جين بينغ بنفسه على تخطيطه وتطويره، مثالا رائدا على ذلك. ففي نوفمبر 2025، وخلال تسلمه تقريرا عن أعمال بناء ميناء هاينان، أكد الرئيس شي أن إنشاء هذا الميناء يعد قرارا سياسيا مهما من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، لتعميق الإصلاح وتوسيع الانفتاح بشكل شامل في العصر الجديد.
في الثامن عشر من ديسمبر 2025، أطلقت منطقة هاينان للتجارة الحرة رسميا العمليات الجمركية الخاصة في كل أنحاء جزيرة هاينان، وهو ما وصفه شي جين بينغ بأنه إجراء رمزي من جانب الصين لتوسيع الانفتاح العالي المستوى وتعزيز تنمية اقتصاد عالمي منفتح. وقال: "إن بناء منطقة هاينان للتجارة الحرة وفق معايير عالية، يهدف إلى دفع عجلة التنمية العالية الجودة في هاينان، والمساهمة في بناء نمط تنموي جديد على مستوى البلاد."
وقد حددت ((الخطة الرئيسية لبناء ميناء هاينان للتجارة الحرة))، أن يتم في عام 2025 إنشاء نظام ميناء للتجارة الحرة يركز على تحرير وتيسير التجارة والاستثمار في هاينان. ومن المتوقع أن يصبح هذا الميناء منطقة رائدة جديدة للاقتصاد الصيني المفتوح بحلول عام 2035، ومن المتوقع أن يتم بناؤه بالكامل ليصبح ميناء تجارة حرة رفيع المستوى يتمتع بتأثير دولي قوي بحلول منتصف هذا القرن.
لقد بدأ ظهور بوادر النمو لميناء هاينان للتجارة الحرة، ويعد قطاع الحفلات الموسيقية والفعاليات خير مثال على ذلك. وبفضل المزايا التي توفرها هذه السياسة، بدءا من تبسيط الإجراءات الجمركية وصولا إلى تسهيل الوصول إلى الأسواق أمام الأنشطة الثقافية والترفيهية، أصبحت هاينان وجهة جذابة بشكل متزايد لفنانين عالميين. وقد استقطبت هذه المزايا جماهير من مختلف أنحاء الصين وخارجها، مما أدى إلى آثار إيجابية قوية على قطاعات السياحة والضيافة والبيع بالتجزئة.
على سبيل المثال، استضافت مدينة هايكو، في الفترة من 28 إلى 30 نوفمبر 2025، حفلات موسيقية للمغني الصيني هوا تشن يوي، ونجمة البوب الأمريكية كاتي بيري. وبفضل البيئة الداعمة التي وفرها ميناء التجارة الحرة، استقطبت هذه الفعاليات أكثر من 120 ألف زائر، وحققت عائدات اقتصادية بلغت 831 مليون يوان. وهذا يظهر كيف تترجم سياسات الانفتاح العالي المستوى مباشرة إلى محركات نمو جديدة، وتسهم في تعزيز القوة الحيوية لقطاعي الثقافة والسياحة في هاينان.
وبالنظر إلى عام 2025، أظهر الاقتصاد الصيني مرونة في مواجهة عوامل عدم اليقين في العالم، وديناميكية في الصناعات الناشئة، وقدرة على إدارة المخاطر مع السعي لتحقيق الأهداف الطويلة الأجل. ويشير التطور السريع للقوى المنتجة الحديثة النوعية، والاختراقات المستمرة في الابتكار العلمي والتكنولوجي، وتعميق الإصلاح والانفتاح العالي المستوى، وتحسين معيشة الشعب، إلى اقتصاد لا يقتصر على تحقيق الاستقرار فحسب، وإنما أيضا يعزز أسسه للنمو المستقبلي.
المستقبل في الخطة الخمسية
أكد مؤتمر الثامن من ديسمبر أيضا على ضرورة التزام العمل الاقتصادي لعام 2026، بفكرة العمل الأساسية العامة المتمثلة في إحراز التقدم من خلال المحافظة على الاستقرار وتحسين الجودة والفعالية. إن أحد أسرار النمو المستدام للاقتصاد الصيني يكمن في تخطيطها الطويل الأجل. شهد عام 2025 اختتام الخطة الخمسية الرابعة عشرة للصين (2021- 2025م) وبداية عملية وضع خطتها الخمسية الخامسة عشرة (2026- 2030م)، والتي قدم فيها الرئيس شي توجيهات إستراتيجية متسقة.
في ندوة حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية للصين خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة في إبريل 2025، أكد الرئيس شي أن الصياغة العلمية والتنفيذ المتسق للخطط الخمسية يمثلان تجربة مهمة في نهج الحزب الشيوعي الصيني في حوكمة البلاد، وميزة سياسية مهمة للاشتراكية ذات الخصائص الصينية.
في أكتوبر 2025، تم اعتماد ((مقترحات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بشأن وضع الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية))، خلال الجلسة الكاملة الرابعة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني. وقد طرحت هذه المقترحات سلسلة من الأهداف، بما في ذلك تحقيق المستوى العالي من الاعتماد على النفس وتقوية الذات في العلوم والتكنولوجيا، وريادة تطوير القوى المنتجة الحديثة النوعية، فضلا عن توسيع نطاق الانفتاح العالي المستوى على الخارج، وخلق وضع جديد للتعاون والفوز المشترك.
وأوضح الرئيس شي أنه، استمرارا لنهج الخطة الخمسية الرابعة عشرة، تحدد المقترحات أيضا تعزيز التنمية العالية الجودة باعتبارها المحور الرئيسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة. وأكد أنه لتعزيز التنمية العالية الجودة، يجب علينا أولا وقبل كل شيء، تكثيف الجهود لتسريع وتيرة تحقيق المستوى العالي من الاعتماد على النفس وتقوية الذات في العلوم والتكنولوجيا، والعمل بنشاط على تطوير القوى المنتجة الحديثة النوعية، وتحقيق تقدم ملموس واختراقات جديدة في تعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي، وبالتالي، تعزيز زخم نمو جديد، ودعم تحسين وترقية الهيكل الاقتصادي. وفقا لهذه الأولويات، سيشكل الابتكار والانفتاح والتحديث المسار الاقتصادي للصين في السنوات المقبلة.
أما فيما يتعلق بأولويات عام 2026، فقد حدد مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي، ثماني مهام رئيسية، تشمل: توسيع الطلب المحلي واستقرار الاستثمار؛ ودفع عجلة الابتكار لتعزيز زخم نمو جديد؛ وتعميق الإصلاح لتعزيز حيوية التنمية؛ وتوسيع نطاق الانفتاح العالي المستوى على الخارج والتعاون الدولي؛ وتعزيز التنمية المنسقة بين الأقاليم والتنمية الاندماجية بين المناطق الحضرية والريفية؛ وتسريع التحول الأخضر المنخفض الكربون؛ وتحسين معيشة الشعب من خلال تعزيز أنظمة أقوى للتوظيف والتعليم والرعاية الصحية؛ ومنع المخاطر الكبرى وتخفيف حدتها، لا سيما في قطاع العقارات وديون الحكومات المحلية. وتهدف هذه الأولويات مجتمعة إلى استدامة دفع التنمية العالية الجودة وتعزيز مرونة الاقتصاد الصيني على المدى الطويل.
ومع دخول الصين عام 2026، وبدء فترة خطتها الخمسية الخامسة عشرة، فإن التزامها بالتنمية المدفوعة بالابتكار، والانفتاح العالي المستوى، والنمو العالي الجودة، سيواصل تعزيز الآفاق الإيجابية لاقتصادها. وفي عالم يعج بعوامل عدم اليقين، يظهر مسار التنمية الصيني الثابت، الموجه إستراتيجيا والمتطلع إلى المستقبل، أن اقتصادها لا يتمتع بمرونة قوية فحسب، وإنما أيضا يكمن فيه زخم ديناميكي وافر ومستدام.
