أخبار < الرئيسية

رحلات إلى الشرق

: مشاركة
2026-03-20 17:10:00 الصين اليوم:Source :Author

منذ بداية عام 2026، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ قادة عدد من الدول الغربية، منهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيس وزراء أيرلندا مايكل مارتن ورئيس وزراء فنلندا بيتري أوربو، حظي هذا التوافد المكثف لتلك الشخصيات، الذي جاء في توقيت غير عادي، باهتمام واسع. هذا الأمر لا يقتصر على كونه إجراء دبلوماسيا روتينيا، بل يعكس أيضا إعادة تقييم أوسع نطاقا تجري بين الدول الغربية في ظل سعيها للتكيف مع بيئة عالمية تزداد تعقيدا.

خلال لقاءاته مع القادة الزائرين، أكد الرئيس شي جين بينغ على أهمية الحوار والتبادل والتعاون العملي. ومع دخول الصين فترة خطتها الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية (2026- 2030)، ستواصل سعيها نحو التنمية العالية الجودة والانفتاح العالي المستوى، مما يخلق فرصا واسعة للتعاون المتبادل المنفعة. في الوقت نفسه، شدد الرئيس شي على أهمية دعم النظام الدولي المتمحور حول الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على القانون الدولي، واضعا التعاون الثنائي ضمن التزام أوسع بالتعددية والاستقرار العالمي.

هذه الرسائل مجتمعة تشكل نمط انخراط الصين مع الدول الغربية مع مطلع هذا العام 2026. التعاون، في هذا الصدد، ليس تعديلا قصير الأجل، بل هو جزء من رؤية طويلة الأمد للتنمية الاقتصادية والحوكمة العالمية، في عصر يتسم بعوامل عدم اليقين والتحول.

التطلع شرقا

الحراك الدبلوماسي الأخير من جانب قادة غربيين يعكس إعادة تقييم إستراتيجية أوسع نطاقا. فبالنسبة لكثيرين، أصبح اليقين الذي يوفره التعامل مع الصين أكثر جذبا من الغياب المتفاقم للقدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة الأمريكية.

زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني للصين في يناير هذا العام، هي دليل على إعادة التقييم هذه. إنها مثلت أول زيارة إلى الصين يقوم بها رئيس وزراء كندي في منصبه منذ ما يقرب من عشر سنوات، وهي فترة انقطاع تؤكد في حد ذاتها، مدى التغير الذي طرأ على المشهد الجيوسياسي. هذه الزيارة لم تكن حدثا منعزلا، بل جاءت في أعقاب جهود سابقة لترسيخ العلاقات. في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2025، أعرب الرئيس شي، خلال لقائه مع كارني على هامش الاجتماع الثاني والثلاثين للقادة الاقتصاديين لمنتدى التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في جمهورية كوريا، عن استعداد الصين لتعزيز العلاقات الثنائية. وهذا الأمر قد أكد ضرورة أن تطور الصين وكندا فهما موضوعيا وعقلانيا لبعضهما البعض، وأن تطورا العلاقات الثنائية في ضوء المصالح المشتركة الطويلة الأمد للبلدين.

تعززت هذه المساعي في السادس عشر من يناير 2026، عندما وصف الرئيس شي لقاء "أبيك" بأنه نقطة تحول في العلاقات، حيث وضع العلاقات الثنائية على مسار جديد من التطور الإيجابي. وأكد أن النمو المطرد للعلاقات الصينية- الكندية يخدم المصالح المشتركة للبلدين، ويسهم في السلام والاستقرار والتنمية والازدهار في العالم.

أما تصريحات كارني فقد قدمت المزيد من الإيضاح حول هذا التحول الدبلوماسي. في كلمته أمام الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 في دافوس، وجه كارني نقدا لاذعا للسياسات الحديثة للقوى العظمى، وقال: "في الآونة الأخيرة، بدأت القوى العظمى في استخدام التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كوسيلة ضغط، والبنية التحتية المالية كأداة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف قابلة للاستغلال." وقد فُسرت هذه التصريحات على نطاق واسع، على أنها إشارة إلى سياسات الهيمنة الأمريكية.

جاءت هذه التصريحات متوافقة كثيرا مع تجربة تعرضت كندا لها مؤخرا. فالتهديدات المتكررة من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية عقابية على كندا، إضافة للتصريحات الاستفزازية الداعية لضم كندا لتصبح "الولاية الأمريكية الـ51"، قد أدت إلى إبراز نقاط ضعف إستراتيجية واقتصادية في الجانب الكندي. وفي هذا السياق، فإن تقارب كارني مع الصين هو رد عملي على شريك بات غير موثوق به على نحو متزايد، وهو أيضا مسعى لضمان استقرار البيئة الخارجية لكندا.

هذا المنطق العملي قد تبناه الكثيرون. فبالنسبة للقوى المتوسطة الحجم، يعتبر التقارب المتزايد نحو الصين، شكلا من أشكال التحوط الإستراتيجي، في عالم لم تعد فيه التحالفات التقليدية تضمن بشكل موثوق، الأمن الاقتصادي أو الاستقرار السياسي.

في الثامن والعشرين من يناير 2026، بدأ رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر زيارته للصين، وهي الأولى من نوعها لزعيم بريطاني منذ ثماني سنوات، بعد زيارة تيريزا ماي في عام 2018. توقيت هذه الزيارة ورمزيتها قد أشارا إلى جهود متجددة من جانب لندن، لإعادة صياغة سياستها تجاه بكين، استجابة للنظام العالمي المتغير بسرعة.

خلال لقائه مع ستارمر في التاسع والعشرين من يناير، أكد الرئيس شي على تغير المشهد الدولي وتأثيره على التبادلات الثنائية، وأشار إلى انتشار النزعة الأحادية والحمائية وسياسات القوة، وتعرض النظام الدولي لضغوط هائلة. وقال الرئيس شي: "لا يمكن للقانون الدولي أن يكون فعالا حقا، إلا عندما تلتزم به جميع الدول." وأضاف أن على الدول الكبيرة، تحديدا، أن تكون قدوة، وإلا سيعود العالم إلى قانون الغاب.

وانطلاقا من هذا التقييم، قال الرئيس شي إن الصين والمملكة المتحدة، كونهما داعمتين للتعددية والتجارة الحرة، ينبغي أن تدعوا إلى التعددية الحقيقية وتمارساها، وأن تجعلا منظومة الحوكمة العالمية أكثر عدلا وإنصافا، وأن تبنيا عالما متعدد الأقطاب يتميز بالمساواة والانتظام، وعولمة اقتصادية شاملة ومفيدة للجميع.

وانعكاسا لهذا التحول الأوسع في التوجه نحو الصين، نقلت مقالة نشرت مؤخرا في صحيفة ((نيويورك تايمز)) الأمريكية، عن وانغ يي وي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رنمين الصينية، قوله إن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية يسعون بشكل متزايد إلى تخفيف حدة المخاطر المحيطة بهم، من خلال تقليل الاعتماد المفرط على أي شريك واحد. وأضاف وانغ: "قوة الصين تحظى بالاحترام، ومواقفها تحظى بالاحترام أيضا."

السعي إلى التعاون

إن سعي الصين لتحقيق التنمية العالية الجودة، إلى جانب الحجم الهائل لسوقها المحلية، قد أصبحا مصدر جذب رئيسيا للقادة الغربيين الساعين لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي.

قال ستارمر أمام مجلس العموم البريطاني: "الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وبإضافة هونغ كونغ، فهي ثالث أكبر شريك تجاري لنا، إذ تدعم 370 ألف وظيفة في بريطانيا، ولها حضور لا يمكن تجاهله في الشؤون العالمية. من المستحيل حماية مصالحنا الوطنية، من دون التفاعل مع هذا الواقع الجيوسياسي." قوله هذا يؤكد الإدراك المتزايد في الغرب بأن التعامل مع الصين لا يمثل خيارا، بقدر ما هو ضرورة.

وعلى هذا الأساس، ليس من المستغرب أن تكون المصالح الاقتصادية المشتركة هي الدافع وراء العديد من تلك الزيارات الرفيعة المستوى مؤخرا. الصين، من جانبها، تسعى إلى الانفتاح من أجل تعاون أكثر عمقا وانتظاما. خلال لقائه مع ستارمر، أكد الرئيس شي، أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والمملكة المتحدة ذات منفعة متبادلة، ويمكن للجانبين أن يوسعا نطاق التعاون المتبادل المنفعة بقطاع الخدمات، بما فيه التعليم والصحة والتمويل، مسلطا الضوء على إمكانات البحث المشترك والتطبيق التجاري في مجالات رائدة مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة والطاقة الجديدة وتقنيات خفض الانبعاثات الكربونية، مؤكدا أن التعاون الاقتصادي هو السبيل للتنمية والازدهار المشتركين.

هذا التركيز على التكامل والتعاون المستقبلي يتجسد في علاقات الصين مع دول غربية أخرى. فخلال لقائه مع رئيس وزراء أيرلندا مايكل مارتن في الخامس من يناير 2026، في بكين، أكد الرئيس شي استعداد الصين للعمل مع أيرلندا لتعميق التعاون الاقتصادي والتجاري، والسعي إلى تحقيق مزيد من التكامل بين إستراتيجيات التنمية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصناعات الدوائية والصحية، وتشجيع الاستثمار المتبادل. وأشار الرئيس شي إلى أن الهدف هو تكامل المزايا المتبادلة، وتبادل الفرص والسعي لتحقيق التنمية المشتركة.

وبالمثل، أشار الرئيس شي، خلال لقائه مع رئيس وزراء فنلندا بيتري أوربو في السابع والعشرين من يناير 2026، إلى الريادة العالمية لفنلندا في الرياضات الشتوية، والقاعدة الواسعة والمتنامية للصينيين المشاركين بهذه الرياضات، داعيا البلدين إلى تعزيز التعاون الثنائي لتوطيد العلاقات في مجال الرياضات الشتوية.

أسفرت هذه الزيارات عن نتائج ملموسة بالفعل، مؤكدة الفوائد العملية لتجديد التعاون. وفقا لما أعلنه كارني، فإن كندا ستسمح بدخول ما يصل إلى تسعة وأربعين ألف سيارة كهربائية صينية إلى سوقها، بموجب تعريفة جمركية للدولة الأولى بالرعاية بنسبة 1ر6%، بينما من المتوقع أن تخفض الصين الرسوم الجمركية على زيت الكانولا الكندي من 85% إلى 15%. وبالمثل، فإن التعاون بين الصين والمملكة المتحدة قد تمت ترجمته لمنافع ملموسة؛ إذ حقق الجانبان صفقات تصدير بقيمة 2ر2 مليار جنيه إسترليني، وحققا أيضا مكاسب في الوصول للأسواق بقيمة 3ر2 مليار جنيه إسترليني تقريبا، وجذبا استثمارات بمئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية، مع خفض الصين الرسوم الجمركية على الويسكي البريطاني من 10% إلى 5%، وفقا لبيان صحفي صادر عن الحكومة البريطانية.

وبعيدا عن الأرقام، تشير هذه النتائج إلى نموذج أوسع. فالبراغماتية الاقتصادية القائمة على الوصول إلى الأسواق والتعاون التكنولوجي وتكامل المزايا المتبادلة، قد ظهرت كسمة بارزة في تعامل الصين مع الدول الغربية. وتسهم هذه البراغماتية بدورها في دعم إعادة ضبط دبلوماسية أوسع نطاقا، مدفوعة بالمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة أكثر من الأيديولوجيا.

في هذا السياق، فإن تصريحات الرئيس شي خلال لقائه مع كارني في يناير، تكتسب أهمية خاصة. فقد قال إن على البلدين أن يكونا شريكين يحترم كل منهما الآخر، ويسعيان إلى تحقيق التنمية المشتركة، ويثق كل منهما بالآخر ويتعاونان معا.

هذه المبادئ تتجاوز نطاق العلاقات الثنائية، فهي تعكس تطلعات أوسع نطاقا لتعاون الصين مع الدول الغربية، على أساس شراكات تتسم بالاحترام المتبادل والتعاون العملي والرؤية الطويلة الأمد. وفي عالم يزداد اضطرابا، تقدم الصين نفسها كشريك ثابت وبناء ملتزم بالاستقرار والتنمية والازدهار المشترك.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4