عين صينية < الرئيسية

سندات الصين الدولارية في السعودية وما وراءها

: مشاركة
2025-02-19 10:09:00 الصين اليوم:Source قونغ جيونغ:Author

أثار إصدار الصين لسندات سيادية مقومة بالدولار الأمريكي بقيمة ملياري دولار أمريكي في الرياض بالمملكة العربية السعودية، في نوفمبر 2024، حفيظة الكثيرين في الأسوق المالية العالمية. وقد انتشرت الكثير من التعليقات المثيرة للذعر، بعضها أثار مخاوف جيوستراتيجية وجيوسياسية، وبعضها الآخر يقترب من نظريات المؤامرة صراحة. ما هو مميز، وربما غير عادي بعض الشيء، بشأن هذه الصفقة، يمكن توضيحه في أربعة جوانب رئيسية.

الجانب الأول هو نسبة الاكتتاب الزائد. في العادة، يعد إصدار السندات ناجحا إذا تجاوز الطلب العرض بنسبة تزيد عن اثنين إلى واحد. وعادة ما تحقق وزارة الخزانة الأمريكية نسبة تغطية اكتتاب تتراوح بين اثنين وثلاثة عندما تصدر سندات خزانة جديدة لتمويل العجز الفيدرالي. هذه المرة، تلقت السندات التي أصدرتها الصين في الرياض نحو 40 مليار دولار أمريكي من العطاءات، محققة نسبة تغطية اكتتاب بلغت نحو 20.

الجانب الثاني، الذي يرتبط بالجانب الأول، هو أن الفائدة التي يتعين دفعها على هذه السندات منخفضة بشكل غير عادي، فهي أعلى بنحو 1 إلى 3 نقاط أساس (01ر0% إلى 03ر0%) فقط من الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية. وقد صدرت السندات على شريحتين: 25ر1 مليار دولار أمريكي تستحق في عام 2027 بمعدل فائدة سنوي يبلغ 284ر4%، و750 مليون دولار أمريكي تستحق في عام 2029 بمعدل فائدة يبلغ 34ر4%%. وعلى النقيض من ذلك، فإنه حتى الدول ذات التصنيف الائتماني الأعلى AAA مثل سويسرا، تدفع عادة فائدة تتراوح بين 10 إلى 20 نقطة أساس فوق أسعار سندات الخزانة الأمريكية. وتكون هناك زيادات ضئيلة متوقعة في الأسعار عندما يتجاوز الطلب العرض إلى حد كبير، وفي هذه الحالة تكون نسبة الاكتتاب الزائد مرتفعة بشكل غير عادي.

الجانب الثالث هو موقع الإصدار. لماذا الرياض؟ فهي ليست مركزا ماليا دوليا بنفس المستوى الذي تتمتع به لندن أو هونغ كونغ أو سنغافورة، على سبيل المثال. وفي حين أن الجيل الجديد من القيادات في المملكة العربية السعودية لديه تطلعات ضخمة لتطوير القطاع المالي، بفضل احتياطيات السعودية الضخمة من عائدات البترول التي تراكمت على مدى عقود من الزمن، ولم تشهد سوق رأس المال في الرياض على الإطلاق إصدار سندات بقيمة ملياري دولار أمريكي من جانب الصين.

هذا يقودنا إلى الجانب الرابع، وهو يتعلق بالتبعات المترتبة على هذا الإصدار. إن قدرة الصين على جمع هذا القدر من رأس المال المقوم بعملة بلد تخوض معه منافسة شديدة، والقيام بذلك بشروط مؤاتية تقريبا، مثل تلك التي يتمتع بها ذلك البلد، ربما كانت القوة الدافعة الرئيسية وراء العديد من التكهنات المثيرة للذعر وحتى التحذيرات المؤامراتية من قبل المحللين في الغرب. وفي اعتقادي، أن أغلب هذه التكهنات هراء تام، ولكن مقالة واحدة اجتذبت قدرا كبيرا من الاهتمام، بل واستشهدت بها مجلة ((نيوزويك)) الأمريكية.

افتراضات غير متسقة

في مقالة نشرها رجل الأعمال الفرنسي المقيم في الصين ومعلق الشؤون الاقتصادية والجيوسياسية أرنو بيرتراند، على حسابه بموقع إكس (تويتر سابقا) في أواخر نوفمبر 2024، اقترح نظريتين مثيرتين للاهتمام، وتستحقان بعض التمحيص الجاد. الأولى هي "نظرية المنافسة الدولارية"، والتي مفادها أنه إذا زادت الصين بشكل كبير من حجم السندات الدولارية التي تصدرها، "فستتنافس فعليا مع وزارة الخزانة الأمريكية في سوق الدولار الأمريكي العالمية. وبدلا من قيام دول مثل المملكة العربية السعودية بإعادة تدوير دولاراتها بشكل تلقائي في سندات الخزانة الأمريكية، يمكنها وضعها في سندات الدولار الأمريكي الصينية التي تدفع نفس السعر. وهذا من شأنه أن يخلق نظاما موازيا للدولار الأمريكي حيث الصين، وليس الولايات المتحدة الأمريكية، هي التي تسيطر على جزء من تدفق الدولارات الأمريكية".

النظرية الثانية، والتي أسميها بـ"نظرية مقايضة الديون في إطار مبادرة 'الحزام والطريق'"، تشير إلى أن الصين تستخدم الأموال المقومة بالدولار الأمريكي التي جمعتها لمساعدة البلدان المشاركة في مبادرة "الحزام والطريق" التي اقترحتها الصين، لسداد الديون المقومة بالدولار الأمريكي التي تدين بها تلك الدول للمقرضين الغربيين، وعوضا عن ذلك، يتعين على الدول النامية سداد ديونها للصين باليوان (الرنمينبي) أو بالموارد، أو من خلال ترتيبات أخرى. وبحسب السيد برتراند، فإن "هذا من شأنه أن يحقق مكسبا للصين في ثلاثة جوانب: فهي تتخلص من فائضاتها الدولارية، وتساعد البلدان الشريكة لها على التخلص من الاعتماد على الدولار الأمريكي، وتعمق التكامل الاقتصادي لهذه البلدان مع الصين بدلا من الولايات المتحدة الأمريكية".

وبإلقاء نظرة على هاتين النظريتين، نجد أن الحجة القائلة بأن الصين تخلق نظاما موازيا للدولار الأمريكي تسيطر فيه جزئيا على تدفق الدولارات، تشكل تمددا خطيرا للخيال عند مقارنة حجم إصدار هذه السندات بالمبلغ الإجمالي الذي تقترضه الولايات المتحدة الأمريكية في السوق المفتوحة. ففي عام 2024، من المتوقع أن تسجل الحكومة الفيدرالية الأمريكية عجزا قدره 83ر1 تريليون دولار أمريكي. وإذا أضفنا إلى ذلك الاقتراضات لخدمة ديونها الحالية، فمن المتوقع أن تصدر وزارة الخزانة الأمريكية ديونا جديدة بقيمة تريليوني دولار أمريكي للعام بأكمله. وبقسمة الملياري دولار على التريليون دولار، فإن الحاصل هو 1ر0% فقط. صحيح أن مبلغ الملياري دولار أمريكي ليس سوى البداية، كما زعم برتراند، ولكن حتى مع حجم الإصدار السنوي الذي يزيد عشرة أضعاف، فإنه يظل ضئيلا مقارنة مع سندات الدين التي تصدرها الولايات المتحدة الأمريكية كل عام. إن "نظرية المنافسة الدولارية" لا تصمد أمام الكثير من الحجج، وذلك ببساطة لأن الأرقام غير متسقة.

أما "نظرية مقايضة الديون في إطار مبادرة 'الحزام والطريق'"، فإنها لا أساس لها من الصواب، فأنا أشك في أن الغرض من إصدار سندات الملياري دولار أمريكي هو إعادة هيكلة الديون لبعض الدول المشاركة في مبادرة "الحزام والطريق" المثقلة بالديون، مثل باكستان وسريلانكا. والحقيقة هي، كما يقول برتراند، أن الصين لا تعاني من نقص في الأصول الدولارية على الإطلاق. فهي تتربع على كومة من احتياطيات النقد الأجنبي تزيد على ثلاثة تريليونات دولار أمريكي، ثلثها تقريبا مستثمر في سندات الخزانة الأمريكية. لذا، حتى لو كان الأمر يتعلق بإعادة تمويل أرصدة الدول المدينة، فإنها تمتلك الموارد اللازمة للقيام بذلك بمفردها بدلا من اللجوء إلى سوق رأس المال السعودية بشكل منهجي.

وعلاوة على ذلك، مرة أخرى، فإن الأرقام غير متسقة. ففي الوقت الحالي يبلغ الحجم الإجمالي للإقراض المرتبط بمبادرة "الحزام والطريق" نحو تريليون دولار أمريكي، وفقا لمؤسسة إيد داتا، وهي مختبر أبحاث التنمية الدولية في كلية ويليام آند ماري في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد يكون أقل من 10% من هذا المبلغ في وضع صعب. ولنفترض أن مائة مليار دولار أمريكي من الديون يمكن استبدالها بالرنمينبي، بيد أن تحويل مائة مليار دولار أمريكي من الديون إلى الرنمينبي ليس من المرجح أن يؤدي إلى إخراج العديد من البلدان من الاعتماد على الدولار الأمريكي.

المغزى والأهمية

إن إصدار سندات بقيمة ملياري دولار أمريكي ليس بالأمر الكبير بالنسبة لاقتصاد بحجم اقتصاد الصين. وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها الصين بشيء من هذا القبيل. ولكنني أتفق على أن ما يشكل أهمية كبيرة حقا هو اختيار الرياض كموقع. ومن المرجح أن يكون هذا القرار مدفوعا من جانب السعودية أكثر من الصين. فولي العهد، رئيس الوزراء للمملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان، لديه تطلعات عالية لتطوير الأسواق المالية المحلية في بلاده إلى قوة مالية عالمية. وتتمتع السعودية بالنفوذ والموارد المالية بفضل مخزونها من عائدات البترول، وبالتالي فإن تعاونها مع الصين في الساحة المالية يمكن أن يولد فوائد كبيرة من حيث المضي قدما نحو رؤيتها لما بعد الوقود الأحفوري.

ومن المرجح أن يكون اهتمام بكين مدفوعا بالنظر إلى الرياض باعتبارها مكانا قابلا للاستمرار على المدى الطويل لجمع رأس المال الدولاري، إذا لزم الأمر. الرياض لها علاقات جيدة مع كل من بكين وواشنطن، وإن كان ذلك على المستوى الاقتصادي مع الأولى وعلى أساس الأمن الوطني مع الثانية. ولكن من غير المرجح أن ترى واشنطن أن القوة المالية العالمية المزدهرة في الرياض تشكل تهديدا خاصا، ومن المرجح أن يكون هناك قلق أقل من احتمال أن تميل المملكة العربية السعودية بطريقة أو بأخرى نحو الصين.

لقد أصبحت واشنطن مهووسة بالتفوق على الصين. وكل تطور تحققه الصين في المجال الاقتصادي ينظر إليه من خلال منظور جيوستراتيجي وجيوسياسي. والواقع أن الإدارة الجمهورية الجديدة، وخاصة الرئيس دونالد ترامب، مهووسة بشكل خاص بالمكانة العالمية للدولار الأمريكي. وقد هدد ترامب علنا بفرض تعريفات جمركية عالية للغاية على دول مجموعة بريكس التي تفكر في نظام تسوية تجاري بديل يتجاوز الدولار الأمريكي. وقال على منصة ((تروث سوشيال))، وهي نسخة شركته الإعلامية الخاصة من منصة ((إكس)): "نحن نطالب هذه الدول بأن تلتزم بأن لا تنشئ عملة بريكس جديدة، ولا تدعم أي عملة أخرى لتحل محل الدولار الأمريكي القوي، وإلا فإنها ستواجه تعريفات جمركية بنسبة 100%، وأن تتوقع أن تقول وداعا للبيع في الاقتصاد الأمريكي الرائع."

إن هذا ليس أقل من تحويل الدولار إلى سلاح. وهذا النوع من التحويل على وجه التحديد هو الذي يوقف شهية الدول الأخرى للدولار الأمريكي. إن جولات متتالية من العقوبات القائمة على استخدام الدولار الأمريكي تجعل العديد من الدول تصرخ بحثا عن بدائل. دعونا نواجه الحقائق. سيظل الدولار الأمريكي إلى حد كبير العملة الأكثر هيمنة في العالم لسنوات عديدة قادمة. ولكن إذا كانت واشنطن جادة في المحافظة على مكانة الدولار العالمية، فيتعين عليها أن تتوقف عن النظر إلى التطورات في الأسواق المالية العالمية بموقف عدائي بشكل عام، وأن تتوقف بالتأكيد عن تحويل الدولار إلى سلاح بشكل خاص.

--

قونغ جيونغ، أستاذ اقتصاد في جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية في بكين.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4