تحافظ الصداقة الصينية- العربية، الممتدة لآلاف السنين على إطار تعاون مستقر ودائم. في عام 2025، تقدمت العلاقات الصينية- العربية بخطوات ثابتة، اعتمادا على مرونة قوية وقوة محركة مستمرة في ظل اضطرابات النظام الدولي والتطورات المعقدة للوضع الإقليمي. تتعمق العلاقات الصينية- العربية على نحو شامل في الثقة الإستراتيجية المتبادلة والتعاون العملي والاستفادة المتبادلة بين الحضارات والحوكمة العالمية وغيرها من المجالات، فأصبح هيكل العلاقات الكلي أكثر نضوجا، وارتقى مستوى التعاون بشكل مطرد، وحافظت على تطورها المستقر والسليم والإيجابي.
الثقة السياسية المتبادلة تصل إلى مستوى تاريخي جديد
في عام 2025، حققت الثقة السياسية المتبادلة بين الصين والدول العربية قفزة نوعية بإرشاد من القيادات العليا وضمان الآليات المشتركة. في الوقت الحالي، تشهد العلاقات الصينية- العربية أفضل مرحلة في التاريخ. وقد أقامت الصين شراكة إستراتيجية شاملة أو شراكة إستراتيجية مع عشرين دولة عربية وجامعة الدول العربية، وأصبح العالم العربي منطقة عالية الكثافة في إقامة الشراكة الإستراتيجية مع الصين.
على صعيد القضايا الإقليمية الساخنة، يتمسك الجانب الصيني بموقف موضوعي وعادل، ويدعم "حل الدولتين" بثبات، ويدعو إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الخامس من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ويبادر إلى تسوية التناقضات من خلال الحوار السياسي، لدفع تحقيق السلام والأمن الدائمين في المنطقة. في ظل التدهور المتواصل لوضع قطاع غزة، أجرى وزير خارجية الصين وانغ يي لقاءات مع وزراء خارجية دول كثيرة في مختلف المناسبات المتعددة الأطراف للمحافظة على تنسيق موقف الصين مع الجانب العربي بشأن وضع فلسطين؛ وزار مبعوث الحكومة الصينية الخاص لقضية الشرق الأوسط تشاي جيون فلسطين ومصر وغيرهما من الدول العربية عدة مرات، للمحافظة على الاتصالات الوثيقة مع الجانب العربي في الإنقاذ الإنساني والتسوية السياسية؛ وأعرب الجانب الصيني غير مرة في الأمم المتحدة والمناسبات المتعددة الأطراف أن "حل الدولتين" هو المخرج الوحيد القابل للتنفيذ لحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ولا بديل عنه ولا ينبغي إنكاره. لا تجسد هذه العمليات الدبلوماسية توافق الجانبين الصيني والعربي بشأن الموضوعات الرئيسية للمنطقة فحسب، وإنما أيضا تجعل جهود الجانب الصيني في المحافظة على الانصاف والعدالة تحظى بالتقدير العام من الدول العربية.
من الاتصالات الثنائية إلى الاتصالات المتعددة الأطراف، ظهرت خصائص بارزة في آلية وهيكل الاتصالات السياسية بين الصين والدول العربية. في 23 إبريل عام 2025، تبنت الدورة الثالثة والستين بعد المائة لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية القرار بشأن العلاقات العربية- الصينية للمرة الخامسة والأربعين على التوالي، والذي أعاد التأكيد على دعم الدول العربية لمبدأ "الصين الواحدة" ومبادرة "الحزام والطريق". ورحب الوزراء بأن تعقد الصين القمة الصينية- العربية الثانية في عام 2026، وأعربوا عن تقديرهم للجهود الدبلوماسية الصينية في تعزيز السلام والأمن الإقليميين. وعقدت الدورة العشرون لاجتماع كبار المسؤولين لمنتدى التعاون الصيني- العربي والدورة التاسعة للحوار السياسي والإستراتيجي على مستوى كبار المسؤولين في مدينة الرباط بالمغرب في 21 مايو، حيث بحث الجانبان تطورات تنفيذ ثمار القمة الصينية- العربية الأولى والدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- العربي، وتم بحث التعاون الصيني- العربي وبناء منتدى التعاون، وموضوعات أخرى، وتبادل الجانبان الآراء بشأن القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، واعتمدا ((وثيقة الثمار)). بالإضافة إلى الاجتماعات المؤسسية، أجريت الاتصالات على المستوى الوزاري والتبادلات العادية للعمل والحوارات المتواصلة مع سفراء الدول العربية لدى الصين، فتشكل دعم مؤسسي لتعزيز الثقة السياسية المتبادلة بشكل مطرد بجهود مشتركة.
في الفترة من أكتوبر إلى نوفمبر، زار نائب رئيس الصين هان تشنغ السعودية والكويت وقطر. وفي محادثاته مع زعماء الدول الثلاث، أجرى الجانبان تبادلات عميقة بشأن العلاقات الثنائية والوضع الإقليمي والتحضير للقمة الصينية- العربية والتعاون في مجال الطاقة وغيرها من الموضوعات الرئيسية. لم تعزز هذه الزيارة الثقة السياسية المتبادلة بين الصين ودول الخليج بشكل متزايد فحسب، وإنما أيضا وفرت دعما مهما لمواصلة تراكم الزخم الإستراتيجي في المرحلة المفتاحية للتعاون الصيني- العربي الشامل.
الارتقاء بجودة وكفاءة التعاون العملي
زيادة مطردة في حجم التجارة بين الصين والدول العربية. في الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية 72ر1 تريليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 7 يوانات تقريبا حاليا)، بزيادة بلغت نسبتها 2ر3% مقارنة مع نفس الفترة من عام 2024، مما سجل رقما قياسيا جديدا. وتوسعت مجالات التعاون، من تجارة الطاقة التقليدية إلى الاندماج العميق لسلاسل الصناعة والتوريد. إن مشروعات مثل مشروع صناعة الكيماويات الدقيقة لشركة هواجين- أرامكو للبتروكيماويات المحدودة ومركز تصنيع الأجهزة والحديد والصلب لشركة شينفنغ الصينية في مصر، تدفع تقدم الجانبين من "تبادل البضائع" إلى "تنسيق القدرة الإنتاجية".
منصات التبادل قوة محركة مستمرة للتعاون. في الثامن عشر من إبريل عام 2025، عقدت الدورة الخامسة للمنتدى الصيني- العربي للإصلاح والتنمية في شانغهاي، حيث أجرى المسؤولون والعلماء وممثلو الشركات من دول عديدة حوارا حول الإبداع والاقتصاد والتجارة والاستثمار وغيرها من الموضوعات. واستعرضت هذه الدورة للمنتدى "الأطر الخمسة للتعاون" التي طرحت في الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- العربي في بكين عام 2024، والتي وسعت التعاون الصيني- العربي من المجالات التقليدية مثل الاقتصاد والتجارة إلى المجالات الجديدة مثل الاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء وحوكمة الأمن. في الثامن والعشرين من إبريل عام 2025، عقدت الدورة الحادية عشرة لمؤتمر رجال الأعمال الصينيين والعرب والدورة التاسعة لندوة الاستثمارات في إطار منتدى التعاون الصيني- العربي في هاينان بنجاح، الأمر الذي بنى منصة مواءمة عالية الفعالية لأوساط الصناعة والتجارة للصين والدول العربية، ودفع تعميق التعاون في الصناعات الخضراء وتداول البضائع العابر للحدود والتجارة الرقمية والمالية الحديثة وغيرها من المجالات بشكل مطرد.
توسع مطرد لمنصات التعاون الإقليمي. في نهاية أغسطس، عقدت الدورة السابعة لمعرض الصين والدول العربية في ينتشوان، وظهرت الأجنحة الوظائفية الجديدة مثل أجنحة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وتطبيق الكهرباء الخضراء، وأدرجت عديد من النشاطات المؤسسية في ترتيبات المعرض لأول مرة، مما عزز الدور الدافع لهذه المنصة في التعاون الصيني- العربي في الاقتصاد والتجارة والصناعة. في سبتمبر، انطلق المعرض السياحي "مرحبا الصين"- بوابة الصين لعام 2025 بين الصين ودول مجلس التعاون لدول خليج العربية في دبي، حيث أجرى الجانبان محادثات عميقة تمحورا حول السياحة المتبادلة بين الصين ودول الخليج وزيارات المعارض والتجارب الثقافية والمتاحف، لدفع صناعة الثقافة والسياحة لتكون نقطة نمو جديدة للتعاون الصيني- العربي.
تحسن متعاظم لآلية التعاون المالي. في عام 2025، حافظت رابطة البنوك الصينية- العربية على الأداء الطبيعي، ووفرت دعم التمويل المستقر لمشروعات المنشآت التحتية وتحويل نمط الطاقة وبناء الحدائق الصناعية. في مايو، أصبحت الجزائر عضوا جديدا في بنك التنمية الجديد لدول "بريكس"، مما عزز مشاركة الدول العربية في نظام التمويل المتعدد الأطراف.
تعميق التبادل الحضاري والتفاهم بين الشعوب
بإرشاد من مبادرة "الحضارة العالمية"، تطور التبادل الحضاري بين الصين والدول العربية نحو اتجاه أكثر متانة وتنوعا ومأسسة، وتمت تقوية الروابط الثقافية، مما وفر أساسا اجتماعيا ثابتا ودعما شعبيا راسخا لرفع مستوى العلاقات الصينية- العربية الشاملة.
تطور أكثر ازدهارا للتبادل الحضاري بين الصين والدول العربية. في الثامن من نوفمبر عام 2025، أقيم منتدى تنمية وتعاون الإنترنت بين الصين والدول العربية في ووتشن بمقاطعة تشجيانغ، بعنوان "بناء مجتمع المستقبل المشترك الصيني- العربي في المجال السيبراني"، حيث جرت تبادلات حول المنشآت التحتية الرقمية والأمن السيبراني وحوكمة المنصات والتعاون في الصناعة الرقمية، مما جعل التعاون الصيني- العربي في مجال الحضارة الرقمية يتمتع بمزيد من الطبيعة الاستشرافية والإستراتيجية. في السابع عشر من نوفمبر، عقدت الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية تحت عنوان "تعزيز الحوار الحضاري وبناء المجتمع الصيني- العربي للمستقبل المشترك نحو العصر الجديد"، بهدف تعزيز التعلم والاستفادة المتبادلة بين الحضارتين الصينية والعربية بجهود مشتركة، وحشد التوافق السياسي والثقافي على نطاق واسع لإقامة القمة الصينية- العربية الثانية.
توسع مستمر للتعاون في الثقافة والتعليم. يتقدم اتحاد الجامعات الصينية- العربية وآلية "خطة التعاون 10+ 10 بين الجامعات الصينية والعربية" بخطى ثابتة، وتسارع الدول العربية في بناء منظومة تعليم اللغة العربية، وتتحسن منظومة إعداد أكفاء اللغة الصينية في الجامعات الصينية بشكل مطرد. وفي 18 أكتوبر، أقيم المؤتمر السنوي لأعمال آلية تبادل اتحاد الجامعات الصينية- العربية لعام 2025 والمؤتمر الدولي الثاني بعنوان "الجامعات وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي" في عمان بالأردن، برعاية من الجمعية الصينية للتعليم العالي واتحاد الجامعات العربية.
التبادل الشبابي مجال ذو قوة حيوية. في الفترة من السادس والعشرين إلى الثلاثين من يوليو، أقيم مشروع سفراء الصداقة الشباب الصينيين والعرب لعام 2025 في مدينتي داليان وبكين، بعنوان "التعاون والتنمية والسلام"، ودعا ممثلين عن الشباب من أكثر من عشر دول عربية إلى التعرف بعمق على ممارسات التنمية الصينية وآفاق التعاون الصيني- العربي من خلال المناقشة والتبادل والاستطلاع الميداني وغيرها من الطرق. في الحادي والعشرين من نوفمبر، أقيم منتدى تنمية الشباب الصينيين والعرب لعام 2025 في بغداد، بعنوان "تعزيز التعاون في الاقتصاد الأخضر بين الشباب الصينيين والعرب من خلال الابتكار وريادة الأعمال"، لبناء منصة للتعاون العملي للشباب الصينيين والعرب في المجالات مثل التنمية المستدامة والابتكار وريادة الأعمال.
تطلعا إلى عام 2026، سنستقبل الذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر وغيرها من الدفعة الأولى من الدول العربية، وستعقد القمة الصينية- العربية الثانية في الصين، وستشهد العلاقات الصينية- العربية تقدما تاريخيا جديدا بكل تأكيد. تتمسك الصين والدول العربية بالنظر إلى العلاقات مع الجانب الآخر على المستوى الإستراتيجي ومن زاوية بعيدة المدى، وتتعزز توافقاتهما بشأن مبادرة "التنمية العالمية" ومبادرة "الأمن العالمي" ومبادرة "الحضارة العالمية" ومبادرة "الحوكمة العالمية"، وغيرها من المبادرات المهمة. وثمة آفاق تعاون واسعة في قضايا تغير المناخ والأمن الغذائي والصحة وأمن الطاقة وحوكمة الذكاء الاصطناعي وغيرها. مع تقدم التحديث الصيني النمط بخطى ثابتة، ستجلب الخطة الخمسية الخامسة عشرة ساحة سوق أوسع واختيارات تقنية أكثر تقدما وفرص تعاون أكثر حيوية للدول العربية، وتجعل التعاون الصيني- العربي في مجالات الاقتصاد والتجارة والمال والاقتصاد الرقمي والتصنيع الرفيع المستوى وغيرها يتقدم إلى مستوى أعمق. في إطار الأمم المتحدة وغيرها من الأطر المتعددة الأطراف، ستواصل الصين والدول العربية تنسيق مواقفهما من القضايا المهمة دوليا وإقليميا، والتعبير عن آراء الدول النامية يدا بيد، ودفع بناء نظام دولي أكثر عدلا وإنصافا.
يشهد العالم اليوم تغيرات عميقة لم يشهدها منذ مائة سنة، وتتقدم الدورة الجديدة من الثورة التكنولوجية والتحول الصناعي تقدما عميقا، ويجري تعديل عميق للتوازن بين القوى الدولية، وتواجه منظومة الحوكمة العالمية إعادة تشكيل بشكل عميق. سيظل التعاون الصيني- العربي في المستقبل يواجه تعقيدات وتغيرات الوضع الإقليمي ونقص الديناميكية في تعافي الاقتصاد العالمي والحصار التكنولوجي وإعادة تشكيل سلسلة التوريد وغيرها من التحديات الخارجية، غير أن الصين ستظل صديقة وشريكة موثوق بها للدول العربية مهما تغيرت الأوضاع الدولية، وستقف بثبات إلى جانب القضايا العادلة للدول العربية، وستعمق الثقة السياسية المتبادلة وتعزز التعاون المتبادل المنفعة ودفع التبادل الثقافي مع الجانب العربي، لمواجهة التحديات المشتركة يدا بيد ودفع تقدم بناء مجتمع المستقبل المشترك الصيني- العربي إلى مستوى أعلى على ساحة واسعة في العصر الجديد.
--
وانغ قوانغ دا، أستاذ في جامعة شانغهاي للدراسات الدولية، وأمين عام مركز الدراسات الصيني- العربي للإصلاح والتنمية.
هوانغ يوي تشن، طالب دراسات عليا في جامعة شانغهاي للدراسات الدولية.
