عين صينية < الرئيسية

تفنيد مغالطات "نظرية التهديد الاقتصادي الصيني"

: مشاركة
2026-05-25 15:40:00 الصين اليوم:Source لو دونغ هونغ:Author

في رسالة وجهها إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، كتب رئيس وزراء بلجيكا بارت دي ويفر: إن الصين "تدمر اقتصادنا"، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى "اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الصين". ليس من النادر أن نسمع مثل هذا الصوت في الأوساط الغربية. فمن بروكسل في بلجيكا إلى واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية، تُروج سردية تتمحور حول "التهديد الاقتصادي الصيني". اختلافا عن المزاعم التي كانت تركز على الصادرات الصينية القائمة على العمالة الرخيصة قبل عشرين عاما، تصور السردية الحالية تطور الصين في مجالات المركبات الكهربائية وبطاريات الليثيوم والطاقة الكهروضوئية والذكاء الاصطناعي وغيرها بأنه "استيلاء ممنهج" على النظام الصناعي الغربي. ومع ذلك، فإن هذه السردية تستخدم إطارا تحليليا منذ عشرين عاما لمحاولة فهم واقع الاقتصاد العالمي الذي شهد تحولا هيكليا، ومن الطبيعي أن تكون استنتاجاتها مغلوطة.

المغالطة الأولى.. الخلط بين "ثورة الإتاحة" و"الاستيلاء على الأسواق"

عندما يرى بعض المراقبين الغربيين أن الصين تنتقل بنمطها الصناعي من التصنيع التقليدي إلى التكنولوجيا الفائقة، يقولون إن هذا التحول هو هيمنة على المشهد الصناعي القائم. لكن هذا الحكم يفترض خطأ أن السوق العالمية ثابتة ومحدودة، في وقت تتوسع فيه الأسواق العالمية بسرعة بفضل تحول الطاقة والاقتصاد الرقمي. لا يتمثل التغيير الحقيقي في "من يحل محل غيره"، بل في مَنْ يستطيع تحويل التكنولوجيا، التي كانت مرتفعة التكلفة، إلى بنية تحتية واسعة النطاق وبتكلفة معقولة.

على سبيل المثال في مجال الطاقة الجديدة، انخفضت أسعار المكونات الكهروضوئية بأكثر من 90% خلال العقد الماضي وانخفضت تكاليف تخزين الطاقة، مما جعل الطاقة النظيفة تنتقل من "اختيار الصفوة" إلى "حل متاح للجميع". تتوقع وكالة الطاقة الدولية أنه بحلول عام 2030، سيصل الطلب العالمي على المركبات الكهربائية إلى 45 مليون مركبة، أي 5ر4 أضعاف الطلب في عام 2022، في حين سيصل الطلب الجديد على التركيبات الكهروضوئية إلى 820 غيغاوات، أي 4 أضعاف الطلب في عام 2022. وفي ظل حقيقة أن أكثر من 130 دولة ومنطقة حول العالم وضعت أهداف الحياد الكربوني، فإن الطلب على قدرة الإنتاج الأخضر يفوق بكثير الإنتاج الحالي. ومن ثم فإن الاتهامات المتحيزة بشأن فائض القدرة الإنتاجية الصينية لا يمكنها الصمود أمام واقع الطلب الحقيقي للأسواق. كما أن هذا التخفيض في تكلفة الإنتاج الأخضر وتعميمه له تأثير في جانبين، وهما تقديم دعم تقني ميسور لتحول الطاقة في أوروبا، ومساعدة الدول النامية على تخطي عتبة التكنولوجيا النظيفة العالية التكلفة.

ففي مجال الذكاء الاصطناعي، تظهر بيانات "الرموز الرقمية (التوكن) قصة أكثر إقناعا. وفقا للبيانات الصادرة عن "أوبن راوتر"، وهي أكبر منصة تجمع نماذج الذكاء الاصطناعي في العالم، فإنه في فبراير 2026، بلغ حجم تداول الرموز الرقمية في الصين نحو 12ر4 تريليونات توكن أسبوعيا، متجاوزا حجم التداول في الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة. ومن بين أفضل خمسة نماذج في العالم من حيث حجم التداول، أربعة منها نماذج كبيرة صينية.

التوكن هي وحدة القياس الأساسية في عالم الذكاء الاصطناعي، ويُطلق عليها "النفط الرقمي". والتكلفة الأساسية لتشغيل النماذج الكبيرة وتداول التوكن هي الكهرباء والقدرة الحاسوبية. بفضل المشروعات على المستوى الوطني، مثل مشروع "البيانات في الشرق، الحوسبة في الغرب"، تبلغ تكلفة الكهرباء الخضراء في مراكز البيانات في غربي الصين ما بين ثلث وخمس تكلفة الكهرباء الصناعية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في الفترة نفسها. ونتيجة لذلك، يبلغ سعر التعبئة المسبقة لنموذج M2.5 لشركة ميني ماركس نحو 3ر0 دولار أمريكي لكل مليون توكن، أي ما يعادل 5% من سعر النماذج المماثلة في الخارج، بينما يبلغ سعر نموذج ديب سيك لكل مليون توكن حوالي 1% من سعر المنافسين الأجانب.

بفضل جودة التوكن العالية وسعرها المنخفض، باتت السوق مفتوحة لمشاركين كانت تكاليف القدرة الحوسبية المرتفعة توصد أبوابها أمامهم، مما يتيح للشركات الصغيرة والمتوسطة في الأسواق الناشئة، مثل أمريكا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا أن تشغل "موظفيها الرقميين" بتكلفة زهيدة. إن ثورة الإتاحة في مجال التكنولوجي، تعود، في جوهرها، بالنفع على العالم أجمع، فهي لا تقتصر على خفض الأسعار، بل تغير نمط تعميم التكنولوجيا ذاته. وما يحدث ليس استيلاء على الأسواق، بل توسيع لرحابها وإعادة تشكيلها وبعث الحياة فيها.

المغالطة الثانية.. الخلط بين "تصدير رأس المال" و"النهب الصناعي"

إذا كان من السهل تهويل المنافسة التجارية، فإن فرص العمل المحلية، التي توفرها الاستثمارات المباشرة للشركات الصينية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، تشكل دليلا ملموسا على أن الصين تقدم فرصا تنموية حقيقية لهذه البلدان.

نشرت وكالة بلومبرغ الأمريكية مؤخرا مقالة مقارنة لتقديم منظور شامل ومقنع. تناولت المقالة المقارنة بين مصنع شركة فورد موتور الأمريكية ومصنع شركة كاتل الصينية في ألمانيا لتظهر مساهمة رأس المال الصيني في الاقتصاد الألماني. أسست شركة فورد موتور مصنعها في مدينة كولونيا بألمانيا في عام 1931، وقامت بتسريح ألف موظف في عام 2025، أي ربع إجمالي العاملين، وتم تحويل نظام العمل في المصنع إلى نظام الوردية الواحدة في اليوم، بينما قامت شركة كاتل في مدينة آرنشتات بألمانيا ببناء مصنع بتكلفة ملياري دولار أمريكي، وتوظف الآن حوالي ألفي موظف ألماني. وأشارت وكالة بلومبرغ إلى أنه بينما تواصل الولايات المتحدة الأمريكية محاولة جذب الاستثمارات وإعادة التصنيع إلى أراضيها، تقوم الشركات الصينية بتصدير رأس المال والسلع المصنعة، وزرع بذور فرص العمل وقدرة الإنتاج والتنمية المدفوعة بالإبتكار في الخارج. وبالإضافة إلى ذلك، في ولاية تورينغن بألمانيا، توفر مصانع البطاريات الصينية "قلب البطاريات" لشركات صناعة السيارات المحلية مثل بي إم دبليو وفولكس فاغن لتعزيز تحولها إلى المركبات الكهربائية.

وفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلغ حجم تدفق الاستثمارات الصينية إلى باقي دول العالم 10% من إجمالي تدفقات الاستثمار العالمي في النصف الأول من عام 2025، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة. بينما استحوذت الولايات المتحدة الأمريكية على خُمس الاستثمارات الواردة على مستوى العالم، انخفضت الاستثمارات الواردة إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 45% مقارنة بالأشهر الستة السابقة. في هذا السياق، تبدو الاستثمارات القادمة من الصين أكثر قيمة. وقد بدأت شركة "دي إتش إل" في تعيين موظفين يتحدثون الصينية على مستوى العالم، لاغتنام الفرص التجارية التي تتيحها موجة الاستثمار الصينية.

والأهم من ذلك، يتحول محور استثمارات الشركات الصينية في الخارج من تصدير المنتجات إلى نقل التكنولوجيا. ففي مصانع البطاريات بألمانيا والمجر وإسبانيا، يقوم الخبراء التقنيون الصينيون بتدريب العمال المحليين ونقل أحدث تقنيات التصنيع في هذا المجال. المعرفة لا تنقص بالمشاركة، بل تزيد قيمتها بالانتشار. عندما يصبح هؤلاء العمال الأوروبيون، الذين يتقنون التكنولوجيا الأساسية، العمود الفقري لصناعة الطاقة الجديدة في بلدانهم، من يستطيع القول إن هذا "نهب صناعي"؟

المغالطة الثالثة.. الخلط بين "المشكلات الهيكلية الداخلية" و"الصدمة التنافسية الخارجية"

تعزو بعض الأصوات الغربية ضغوط المنافسة، التي تواجهها بلدانها في المجالات التكنولوجية المتقدمة، إلى ما تسميه بـ"المنافسة غير العادلة" أو "النهب الصناعي" الصيني. إن هذا الخطاب لا يخدم إلا سردية "إزالة المخاطر" تجاه الصين بشكل مجتزأ، لكنه ينحرف بشدة عن الواقع الاقتصادي.

هل تأتي ضغوط المنافسة، التي تشعر بها الولايات المتحدة الأمريكية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية من الصين بشكل أساسي؟ كلا. السبب الأعمق يكمن داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، حيث استمر انخفاض نسبة الإنفاق على البحث العلمي الأساسي فيها من الناتج المحلي الإجمالي على مدى العشرين عاما الماضية. ويجعل الصراع الحزبي الحاد "قانون الرقائق والعلوم لعام 2022" عرضة للإلغاء في أي لحظة من قبل الإدارة القادمة، مما يمنع الشركات من وضع خطط طويلة الأجل، كما أن عملية "إزالة التصنيع"، التي استمرت ثلاثة عقود في الولايات المتحدة الأمريكية، أدت إلى فقدان جيل كامل من العمال المهرة في تقنيات التصنيع الدقيق.

إن عزو هذه "المشكلات الداخلية" إلى ما يسمى بـ"الصدمة الصينية" يعد من قبيل التحليل الاقتصادي غير الاحترافي، بل وتهرب من المسؤولية وتحويل مسار التناقضات. تحتل الصين المرتبة الثانية عالميا في الإنفاق على البحث والتطوير، وتحافظ على معدل نمو برقم مزدوج سنويا. ما تقوم به الصين ليس "استيلاء" على أي أسواق، بل سدا للثغرات في العلوم الأساسية وصعودا إلى قمة المعرفة المشتركة للبشرية بفضل ملايين العمال الجادين والمبدعين.

علاوة على ذلك، يعد النمو المستمر للاقتصاد الصيني في حد ذاته إسهاما للعالم. خلال فترة الخطة الخمسية الرابعة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، حافظ متوسط إسهام الصين السنوي في النمو الاقتصادي العالمي على نسبة 30% تقريبا. وفي عام 2025، بلغت قيمة واردات الصين من السلع 5ر18 تريليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا)، وظلت الصين ثاني أكبر سوق للاستيراد في العالم للعام السابع عشر على التوالي. من الآلات الدقيقة الأوروبية إلى المنتجات الزراعية الأمريكية، ومن مستحضرات التجميل اليابانية إلى مواد الرقائق من جمهورية كوريا، فإن السوق الصينية الضخمة تخلق طلبا مستمرا على مستوى العالم.

إن ما يسمى بـ"نظرية التهديد الاقتصادي الصيني" هي في جوهرها قراءة خاطئة وتحيز تجاه إسهامات التنمية الاقتصادية الصينية. وبالنسبة للدول الغربية، فإن تحول وتحديث الاقتصاد الصيني هو اختبار ضغط يحفز إصلاحاتها الذاتية. طالما ظلت الدول الغربية منفتحة الذهن، يمكن للصين أن تساعد الدول الغربية على إعادة تنشيط قوة التصنيع، أن تسهم في زيادة فرص العمل وتخفيف التضخم وإنعاش الاقتصاد، للعمل معا على دفع الاقتصاد العالمي نحو مستقبل أكثر توازنا وشمولا واستدامة.

--

 لو دونغ هونغ، باحث مساعد في معهد تشونغيانغ للدراسات المالية بجامعة رنمين الصينية.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4